كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٤سير ابن الأشعث إلى إفريقيا
وذكر بعض أصحابنا أن عدة العسكر خمسون ألفا، وقال بعضهم بل سبعون ألفا، وجعل على طائفة من العسكر رجلا دون ابن الأشعث وأمره أن يطيع ابن الأشعث، فتوجه ابن الأشعث من المشرق قاصدا إلى أبي الخطاب. فلما فصل عنه عسكره من مصر، أرسل عيوونه إلى عسكر أبي الخطاب، وبعث أبو الخطاب عيونه، فصارت العيون تختلف إلى الفريقين بكل ما حدث فيهما، فقد عاد عيون ابن الأشعث من عسكر أبي الخطاب فسألهم عن أخبار أبي الخطاب، وقالوا: نجمل أم نفسر؟، فقال لهم: بل اجملوا، فقالوا: رأينا رهبانا بالليل أسرابا بالنهار، يتمنون لقاءك، كما يتمنى المريض لقاء الطبيب، لو زنى صاجبهم لرجموه، ولو سرق لقطعوه، وخيلهم من نتاجهم، ليست لهم بيت مال يرزقون منه، وإنما معاشهم من كسب أيديهم. فلما وصفوا لابن الأشعث من أخبار أبي الخطاب وأصحابه رحمة الله عليهم ما وصفوا من ذلك، استشار العامل المأمور له بالطاعة بالرجوع، فأبى له ذلك، ولما رأى ابن الأشعث ذلك تخوف من افتراق الكلمة، عمد إلى الرجال من عسكره، فأعطاهم هيئة المسافرين، وأعطاهم كتابا يأتون به على لسان أبي جعفر المنصور، فأمرهم ابن الأشعث أن يتنحوا عن العسكر، فإذا كان أوان الضحى أقبلوا وكأنهم جاؤوا من المشرق من عند أبي جعفر من بغداد. فلما كان الوقت الذي أمرهم فيه بالإقبال إلى العسكر، أقبلوا فابتدرهم الناس من كل نواحي العسكر، وأتوا بهم محمد بن الأشعث الخزاعي وأعطوا له كتابا فقرأه ابن الأشعث وأمر الناس بالرجوع، وأظهر لهم أن أبا جعفر يأمره بذلك، ويقول أنه قد ظهر بأرضنا ما نحن أحوج إليه العسكر مما أنتم فيه. فرجع ابن الأشعث وكره صاحبه الرجوع، فلما رآه ابن الأشعث كذلك أرسل إليه، فأمر به فقتل، فخيل إلى الناس أن أبا جعفر بذلك، فضم إلى نفسه العسكرين. ثم إن ابن الأشعث كر راجعا إلى المشرق وتباطأ في مسيره، وقرب المراحل والعيون تختلف بالأخبار لكلا الفريقين، فإذا ارتحل ابن الأشعث من أول النهار ارتحل من أول النهار، فإذا انتصف النهار نزل، فإذا كان بالغداة ارتحل، والعيون التي لأبي الخطاب، كلما رأوا ابن الأشعث، رجعت طائفة منهم مرحلة، وابن الأشعث كلما ارتحل مرحلة أمر خيلا تقطع الأثر من خلفه، إن كان بقي في عسكره من عيون أبي الخطاب شيء أم لا، وعيون ابن الأشعث في عسكر أبي الخطاب مقيمة. /44/