كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٩

أبو حاتم في ذات الله بفعلهم ذلك، فقال لهم: ليس من سيرة المسلمين، إذا قتلوا من بغي عليهم من أهل التوحيد، وكفى الله مؤنتهم أن يطلبوا من انهزم أو يجهزوا(1) على جريحهم، ولا أن ينتزعوا ثيابهم، ولكن يقال لهم إذا انهزموا، وكفى الله المسلمين مؤنتهم، ارجعوا إلى قتلاكم وادفنوهم وخذوا ثيابهم، والآه إن لم تردوا ما أخذتم من أمتعتهم فقد اعتزلت أموركم وتركت ولايتكم وبرئت منها إليكم. فلما سمعوا ذلك منه، أطاعوه وردوا أسلاب المقتولين. وقد دخل يوما أبو حاتم رحمه الله مدينة طرابلس، مع هزيمتهم، فأقام ما شاء الله ثم نادى بالخروج إلى إفريقيا. وبلغنا أنه خرج إليه جيش من إفريقيا، فتلقاهم أبو حاتم ببعض الطريق فقاتلهم فهزمهم الله، فأحسن فيهم السيرة، وأمر ألا يتبع مدبرهم، ولا يجهز(2) على جريحهم، ولا تؤخذ أسلاب المقتولين منهم، وقد تقدم إلى الناس في ذلك ونهاهم عليه، فلما قدم مدينة القيروان، حاصر أهلها سنة، وطال على أهلها الحصار، فألقوا إليه بأيديهم، فأذعنوا له بالطاعة، إلا ما كان من ابن الأشعث فإنه انحاز وانحجز في دار الإمارة في بقية أصحابه الذين قدم بهم من أرض المشرق، فحاصره أبو حاتم سنة أخرى بعد دخوله المدينة، فأجلى أبو حاتم من بها من بقية جند ابن الأشعث، فأعطى لكل خمسة منهم قربة وخشبة يحملون عليها قربتهم، وأعطاهم خنجرا يصلحون به نعالهم، وأعطى لكل واحد من الخمسة رغيفا من خبز لزادهم، فترفق أولئك الأسارى وانصرفوا إلى المشرق. وذكر بعض أصحابنا أن السدراتي المحدود من السرقة الذي جاء بالعسكر من أرض المشرق من عند أبي جعفر، ندم على ما فعل حين ظفر بإخوانه وأهل مذهبه عدوهم، فأبادهم بأيدي أعاديهم، فعمد إلى بقية الأسارى، فخرج معهم يريد أرض المشرق، فأظهر لهم أنه يريد أن يردهم إلى منازلهم ويوصلهم إلى مواطنيهم، فأعمى بهم وأخذ بهم طريقا لم يكن به ماء، فاستهلكهم عن آخرهم، وهم في كثرة، والله أعلم أي ذلك كان. /49/

(1) في الأصل: في الأصل: ولا يجيروا.

(2) في الأصل: ولا يجاز.

٤٧ / ٢١٠