كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٨

ولاية أبي حاتم رضي الله عنه وأرضاه

وحدث غير واحد من أصحابنا أن أبا حاتم يعقوب ابن لبيب الملزوزي(1) ولي مدينة طرابلس في رجب سنة خمس وأربعين ومائة، ومكث فيها أربع سنين، وكانت ولايته ولاية الدفاع، وطلب الحق، وكان يرسل بما جمع من الصدقات للإمام عبد الرحمن بن رستم، قبل أن يتولى عبد الرحمن ولاية الظهور. وسبب ولاية أبي حاتم أن جماعة من المسلمين من بقية أصحاب أبي الخطاب لما أنسوا من أنفسهم من حيز طرابلس قوة بعد أبي الخطاب، وكان لهم عدة، أظهروا عن أنفسهم أنهم يريدون الاجتماع على أمر امرأة مسلمة، وكان زوجها رجل سوء ساءت سيرته إليها، فأظهروا الاجتماع لشأنها وهم يريدون الخروج على جند طرابلس وعامل أبي جعفر، كما فعل أصحاب أبي الخطاب أول مرة حتى ولوه، فسمع باجتماعهم عامل المدينة، مدينة طرابلس، فأخرج إليهم خمسمائة فارس، وجعل عليها عاملا. فلما وصلتهم تلك الخيل، قال لهم عاملها: أجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين، فقالوا: أجبنا الطاعة لأمير المؤمنين، يعنون عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويريد العامل أبا جعفر. قال: فرجعت الخيل إلى عامل الجند بمدينة طرابلس، فأخبروه الخبر، إن القوم قد أجابوا الطاعة لأمير المؤمنين فلم يقنعه ذلك منهم. ثم إن جميع من ينظر إليه من خيار المسلمين اجتمعوا ليلتهم تلك، فاتفقوا على عقد الولاية لأبي حاتم، ولاية الدفاع، فعقدوها له من ليلتهم، فلما أصبحوا خرج إليهم عامل الجند بسيفه وبخيل عظيمة، فلما أتاهم، قال لهم: أجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين أبي جعفر، فقالوا له: عليك لعنة الله وعلى أبي كافر معك، يعنون أبا جعفر، وكان أبو جعفر يلقب بأبي الدوانيق، ثم إن عامل الجند ناصبهم القتال وناجزهم إياه، فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزمهم أبو حاتم ومن معه من المسلمين، وأكثرهم من البربر، وهم الذين كانوا مع أبي الخطاب، وساروا حتى دخلوا مدينة طرابلس، وقتلوا منهم بشرا كثيرا. وبلغنا أن أبا حاتم لما هزم الله على يده العدو، كان معه من عوام البربر من لم يعود النظر في أمور الدين، غير أنهم سلموا لأمر المسلمين وأحكامهم، وعمدوا إلى إسلاب المقتولين فأخذوها وانتزعوا ثيابهم، فغضب /48/

(1) في الأصل: لبيد الملزوزي.

٤٦ / ٢١٠