كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥٤

ص، وآثار الخلفاء الراشدين المهتدين، فقبل عبد الرحمن أمانتهم وأحسن السيرة في إمامته(1) ولم ينقم عليه أحد في حكومة ولا في خصومة، ولم يكن على يديه افتراق الإباضية يومئذ، كلها مجتمعة مؤتلفة(2) لم يثر منها ثائر. وبلغنا أن الوالي على أهل عمان في إمامة عبد الرحمن، رجل يقال له الوارث وأبو عبيدة رحمه الله حي، وفي إمامة عبد الرحمن توفي. ثم إن عبد الرحمن اتصلت أخباره إلى أهل البصرة من أهل دعوة المسلمين، فبعثوا إليه بثلاثة أحمال مالا. فلما وصلت الرسل إلى تاهرت، صاروا يسألون عن دار الإمارة وقد كانوا خلفوا أحمالهم خارجا، فلما نعتت لهم الدار، قصدوا نحوها، فإذا الإمام رضي الله عنه فوق البيت يعمل السقوف والعبد تحته يناوله الطين، فسألوا العبد أن يأذن لهم، وقد أيقن العبد أن الإمام سمع كلامهم، فقال له: أخرهم قليلا، فنزل عن الحائط وغسل الطين عن جسده، فأذن لهم فسلموا عليه فرد عليهم، فوضع لهم شيئا من خبر مفتت، وعصر عليه عسكة. فلما أكلوه، استأذنوه أن يتناجوا عنه، فأذن لهم، فتناجوا عنه فيما بينهم، وأجمع رأيهم على أنهم راضون عنه، فاتفقوا أن يدفعوا له المال. فلما وصلت الجمال إلى عبد الرحمن، شاور أصحابه فيها، فأشاروا عليه أن يأخذها فيبثها في فقراء المسلمين وفي شراء السلاح والعدة ففعل رحمه الله ذلك، بمحضر تلك الرسل، فلما رجعت الرسل إلى المشرق، أخبروا أهل دعوتهم بعدل عبد الرحمن وفضله وورعه فبعثوا له بأموال أكثر من الأول. فلما وصلت إلى عبد الرحمن شاور أصحابه، فقالوا له: رأيك أمير المؤمنين، فلما ردوا الرأي إليه، قال لهم: أما إذا رددتم إلينا رأيها، فرأيي فيها أن ترجع إلى أربابها، فهم أحوج إليها منا، وقد استغنينا وقوينا، فشق ذلك على الرسل، وليس عليهم بد من طاعة إمامهم، فردوها إلى المشرق، فعجبوا من زهادته في الدنيا ورغبته في الآخرة، فاقروا بإمامته وواصلوه بكتبهم ووصاياهم. ثم إن تاهرت كانت حرزا وحصنا لجماعة المسلمين وسميت بأم العسكر، عسكر المبارك فلما حضرت الوفاة عبد الرحمن رضي الله عنه جعلها شورى في سبعة نفر(3) صنيع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أحدهم مسعود الأندلسي، وكان رجلا فاضلا، فقيها ورعا من شيوخ المسلمين، ومنهم أبو قدامة يزيد بن فندين اليفراني ورجل يقال له عمران(4) /54/

(1) في الأصل: في أمانته.

(2) في الأصل: مؤلفة.

(3) في الأصل: ستة نفر وقد صححنا سبعة ووضعنا ورجل بين قوسين، حتى تتسق الرواية مع ما أورده الشماخي (ص145)، وصاحب أزهار الرياض (ص99)، وأما الدرجيني الذي نقل رواية أبي زكرياء فقد ذكر أن لجنة الشورى تتكون من ستة نفر (1 - 46)، ولكنه أهمل ذكر مصعب ابن سدمان، وقد فات محقق الطبقات أن يقوم بمقارنة نصه بالنصين الآخرين ويثبت هذا الإسم بين قوسين إن كان محذوفا في المخطوط.

(4) في الأصل: عثمان، وقد صححنا عمران اعتمادا على الشماخي وسليمان الباروني، وأما الدرجيني فقد أهمل هذا الإسم الأول وذكر صاحبه باسم مروان الأندلسي.

٥٢ / ٢١٠