كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٣إمامة عبد الرحمن بن رستم ض
وحدث غير واحد من أصحابنا أن عبد الرحمن بن رستم رضي الله عنه ولي بتيهرت سنة ستين ومائة، وذكر بعض أصحابنا أنه إنما ولي على رأس اثنين وستين ومائة سنة، والله أعلم أي التاريخين أنفذ. وسبب ولايته أن جماعة المسلمين اتفقوا أن ينتخبوا موضعا يبنون فيه مدينة تكون حرزا وحصنا للإسلام، فأرسلوا الروافد في الأرض، فرجعوا فدلوهم على تاهرت، فاتفق جمهور المسلمين مع أهل تاهرت القديمة على أشياء معلومة أن يأخذوها من غلتها. وقد كانت قبل ذلك غياظا بالوحوش والسباع والهوام، فلما اتفقوا على عمارتها أمروا مناديا ينادي، إلى من بها من الوحوش والسباع، أن أخرجوا فإنا أردنا عمارة هذه الأرض، وأجلوا لها ثلاثة أيام. وبلغنا أنهم رأوا بها وحشا تحمل أولادها في أفواهها، خارجة منها، فكان ذلك مما رغبهم فيها وزادهم بصيرة في عمارتها وإنشائها. ثم إنهم أطلقوا فيها النيران، وأحرقت النيران ما عليها من أشجار، وقد عمدوا إلى أصول تلك الأشجار ودوحها فغسلوها فصاروا يدفنون الحيس تحت أصول تلك الأشجار، فلما جنهم الليل طرقت الخنازير تلك الأشجار، فصاروا يحفرونها حتى أتت على آخرها، حيث شمت ريح ذلك الحيس، فلما أصبحوا وجدها كلها مقتلعة على وجه الأرض ثم إنهم عمدوا إلى مكان فأصلحوه لصلاتهم، فلما أرادوا أن يبنوها انتخبوا أربعة أمكنة واقترعوا عليها أيها يجعلونه للمسجد الجامع، فوقعت قرعتهم على المكان الأول الذي أصلحوه للصلاة، فبنوا المسجد الجامع، فأخذوا في إنشائها وعمارتها، فجعلوها ديارا وقصورا. ثم إن جماعة من المسلمين من أهل النظر منهم، وجدوا في أنفسهم قوة وأنسوا طاقة فأرادوا التولية، فنظروا في عامة القبائل فوجدوا في كل قبيلة رأسا أو رأسين، كل يصلحون للإمارة فاشتوروا فيما بينهم، فقال بعضهم أن عبد الرحمن بن رستم الفارسي رضي الله عنه ممن لا تجهلون فضله، وهو أحد الخمسة الحاملين للعلم، وعامل الإمام أبي الخطاب ض. وقد عرض عليه المسلمون الإمامة قبل تولية أبي الخطاب فأعرض عنها ودفعها عن نفسه، ولم يردها ولاسيما وأنه ليست له قبيلة تمنعه إذا تغير وتبدل. وقالوا: إذا رأيتم أن تولوه أمور المسلمين، فافعلوا فاتفق رأيهم جميعا على توليته ومبايعته، فبايعوه على الإمامة بكتاب الله وسنة رسوله /53/