كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٨أول افتراق الإباضية
مع أن طائفة تنتحل اسم الإباضية، يقال لها العمرانية، لم تجمعنا وإياهم الكلمة من أول، وزعموا أنهم إباضية، وكثيرا ما يسندون مذهبهم إلى عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه، فهم تبعة عيسى بن عمير وسنذكر مذهبهم إن شاء الله والرد عليهم فيما خالفوا فيه أهل الحق، ثم بعد ذلك نتحدث عن افتراق الإباضية ومذاهبهم واحدا بعد واحد، فنرد على كل فرقة منهم ما خالفت فيه أهل الحق، ونفرد كتابا نجمع فيه مقالاتهم إن شاء الله.
سبب افتراق الإباضية
فأما سبب افتراق الإباضية، فقد أخبر به غير وحد من أصحابنا، وذلك أن عبد الوهاب رضي الله عنه لما ولي أمور المسلمين وكانت رغبته في أهل الخير واستعمال أهل العلم والبصيرة من الدين في أمور المسلمين، فعمد إلى رجال ليست لهم رغبة في الولايات فولاهم الأمور. فلما نظر يزيد بن فندين وأصحابه إلى ما فعلن وقد خالفت فيه الرجعية تغيرت قلوبهم وتنكرت صدورهم، وساءت ظنونهم وسقط في أيديهم ما آثروا من تولية عبد الوهاب، فأخذوا في العلل، وقالوا إنما كانت ولاية عبد الوهاب على الشرط ألا يقضي أمرا دون جماعة معلومة، فرجعوا إلى ما عيب عنهم أول مرة، فأفشوه عند الجهال ومن ليست له بصيرة بأمور الدين، فصاروا يستنزلونهم عن بصائرهم، فكثر القال والقيل في البلد، ويقولون أنه حابا(1) بعض الناس علينا وولاهم الأمور دوننا، ونحن أولى بالأمور ممن ولاه على الناس، لأنه إنما كانت ولايته على أيدينا، وكان مما يقولونه للجهلة من الناس أنه لا تجوز تولية رجل إذا كان في جماعة المسلمين من هو أعلم منه، فاختلط قولهم وتفاقم أمرهم، وكثر التنازع، تارة يقولون لا تصلح ولاية رجل، إذا كان في جماعة المسلمين من هو أعلم منه، وتارة يقولون بل كانت ولايته على شرط. ثم إن جماعة المسلمين اصطلح أمرهم مع يزيد بن فندين وأصحابه أن يضعوا أوزار الحرب حتى يراسلوا إخوانهم بالمشرق، ويكف بعضهم عن بعض، فما أجابوهم به أخذوه. وبعثوا رسولين فتوجه الرسولان إلى المشرق، فلما وصلا إلى مصر، وجدا بها شعيب بن المعروف وشيعته فأخبراه بموت عبد الرحمن بن رستم رضي الله عنه، واستخلاف الناس ابنه عبد الوهاب، وخروج ابن /58/
(1) في الأصل: حاما.