كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦١

نرضى أن نضعه عند أحد سواك، فاتفق رأيهم على ذلك. وعمدوا إلى التابوت فأدخلوا الرجل فيه، ومعه سيفه، وكان التابوت مغلقا من داخل، وأقبلوا بالتابوت إلى الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه، على اتفاقهم الأول، وهم يتنازعون عليه حتى أظهروا من أنفسهم أنهم يتجاسرون ويقع الشر بينهم. فلما وصلوا إلى الإمام، تكلم متكلم فقال: يا أمير المؤمنين افصل بين هؤلاء القوم، وانزع هذا التابوت من أيديهم جميعا، حتى تصلح بينهم، ويزول الشر الذي بينهم، فقال القوم: بأجمعهم صدق لك يا أمير المؤمنين ولسنا نثق بأحد أن نضعه عنده إلا أنت، فضعه لنا عندك حتى نتفق. فلما رأى الإمام منهم ذلك، وخاف أن يقع الشر بينهم، قال لهم: احملوا تابوتكم إلى الموضع الذي آمركم أن تضعوه فيه. قال: فلما حملوه ونظر إليهم الإمام مثقلين بحمل التابوت استرابهم، ثم إن الإمام عبد الوهاب تأمل التابوت فوجده مقفلا من داخله، فكان ذلك مما زاده ريبة فيهم، وظن أنهم أرادوا به المكر والغدر، وقد كانوا اشترطوا عليه ألا يضعه إلا في بيت ينام فيه، فلما وضعوه، خرجوا من عنده مستبشرين فرحين، وظنوا أنهم يظفرون بحاجتهم، فخيبهم الله، وكانوا أهل مكر وخداع وخبث النفوس. وبلغنا أنهم اتفقوا مع صاحبهم أنه إذا قتل الإمام، أن يؤذن لصلاة الصبح، عند طلوع الفجر، فإذا سمعوا أذانه وهم يعرفون صوته يبادرون إلى دار الإمام رضي الله عنه، وإن لم يؤذن عرفوا أن صاحبهم لم يظفر بحاجتهم. فلما جاء الليل اشتغل الإمام رضي الله عنه في صلاته، فلما فرغ منها وفرغ من حوائج أهل بيته، وكانت عادته إذا فرغ منها أن يأخذ كتابا فيقرأ فيه. فلما كانت تلك الليلة عمد الإمام رضي الله عنه إلى زق منفوخ، فوضعه على فراشه، فوضع عليه ملحفة بيضاء، فلما قضى حاجته من قراءة كتابه وجاء الوقت الذي يرقد فيه أخذ المصباح فأوقده، وألحف عليه غطاء بسترة، وتنحى إلى جانب البيت، وأقبل على الصلاة حيث لا يسمع به ولا يراه من كان في التابوت. فلما هدأ صوت الإمام عن صاحب التابوت، وظن أن الإمام قد رقد فتح التابوت وخرج منه، فنظر في البيت يمينا وشمالا، فلم يرى شيئا، إلا بياضا من ناحية البيت، فظن أنه الإمام، فقصده وبيده السيف مستلا، والإمام رضي الله عنه يبصره، فلما وصل إلى فراش الإمام ضرب بالسيف على الزق فظن أنه قتل الإمام وإنما أصاب الزق منفوخا. /61/

٥٩ / ٢١٠