كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٦

محاصرة الإمام رضي الله عنه لمدينة طرابلس

وحدث غير واحد من أصحابنا أن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه، أراد المسير إلى الحج، فأخذ في هيئة السفر، فمضى متوجها إلى جبل دمر فجاز بها، فاستعمل عليهم رجلا يقال له فقداراب، وللإمام بها مصلى في موضع يقال له تلاليت، وفي محراب المصلى بلاط يتكيء عليها الإمام رضي الله عنه، كقعدته فيستوي رأسه ورأس البلاطة، فهي اليوم تبلغ الواقف منا إلى الصدر. ثم توجه إلى جبل نفوسة وقد عزم على المسير إلى الحج فاجتمعت عليه جموع نفوسة، فأخبرهم بمراده للمسير إلى الحج، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، لسنا ندعك أن تمضي مخافة عليك من المسودة أن يأخذوك ويحبسوك، فتتعطل أمور المسلمين وحدود الله، ولو أصبنا أن يقتلوك، فنولي بعدك رجلا من المسلمين ما بالينا، ولهان ذلك علينا من أن تعطل حدود الله. قال: فأرسل الإمام رضي الله عنه إلى إخوانه من أهل المشرق، وكان المقدم في ذلك العصر، في الفضل والورع والعلم، أبو عمرو الربيع بن حبيب رضي الله عنه، وابن عباد فلما وصلت الرسل إلى المشرق وإلى الربيع وابن عباد، أجابه الربيع بأن من كان مثلك في العناء لأمور المسلمين وتحمل أمانتهم وخاف على نفسه من المسودة أن يبعث لحجه وهو حي. فقال ابن عباد: من كان مثلك على الصفة المذكورة من العناء لأمور المسلمين فليس عليه حج، لأن أمان الطريق من الشروط التي يجب بها الحج على من استطاعه. فمكث الإمام رضي الله عنه منتظرا لرسوله أن يقدم عليه من أرض المشرق، فلما قدمت الرسل بجواب عن مسألته أخذوا بقول الربيع بن حبيب، فأرسل بمال ليحج به عليه، فمكث في جبل نفوسة في تلك المرة، فيما بلغنا سبع سنين، يتعلمون عنده مسائل الصلاة، وبقي منها أبواب لم يذكروها. ثم إن الإمام حين أرسل إلى المشرق توجه بمن أطاعه من الناس إلى أهل حيز طرابلس وجبل نفوسة، وعامة من بجبالهم من البربر وغيرهم، يريد حصار مدينة طرابلس، ومكث عليها زمنا محاصرا لها، وكان بينه وبين أهل المدينة قتال شديد، وفيه استشهد مهدي. /76/

٧٤ / ٢١٠