كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٩الافتراق الثاني بين الإباضية
حدث أكثر أصحابنا أن الإمام رضي الله عنه لما أراد التوجه إلى تاهرت، اجتمع إليه جوامع أهل طرابلس وطالبوه أن يولي عليهم رجلا، فأراد الإمام رضي الله عنه تولية بعض وزرائه عليهم، ولم يحبوا ذلك، وأراد الإمام رضي الله عنه أن يولي عليهم وزيره السمح بن عبد الأعلى رضي الله عنه، وطلبوه إليه، لما رأوا من محبة الإمام له وإيثاره له وحسن شأنه عليه، وهو ابن إمامهم أبي الخطاب رضي الله عنه قبل ذلك. فلما علم الإمام رضي الله عنه مرادهم في السمح كره مفارقته وأراد مؤازرته له وقال: يا معشر المسلمين، إنكم قد علمتم أن السمح وزيري، وأحب الناس إلي، وأنصحهم، ولن أريد مفارقته، فإذا أردتم أن أستعمله عليهم، فإني قد آثرتكم على نفسي واستعملته عليكم، ووادعهم الإمام رضي الله عنه، وتوجه يريد تاهرت، والسمح على حيز طرابلس، فأحسن فيهم السيرة وأعدل في حكمه، فذلل أهله وأصلحهم، مقرا بإمامة عبد الوهاب ض. فلما حضرت الوفاة السمح اجتمع إليه وجوه أصحابه وقد استعمل في طرابلس وحيزها عمالا كثيرة تحته، فقالوا له: وصنا، وامرنا بأمرك رحمك الله، فإنا مطيعوك في حياتك وبعد مماتك، وإنك لن تألونا رشدا، جزاك الله عنا وعن الإسلام خيرا. فقال لهم السمح: أوصيكم ونفسي بتقوى الله والاتباع لما أمركم به، والانتهاء عما زجركم عنه، وطاعة إمامكم عبد الوهاب رضي الله عنه، وتأييده ما دام مستقيما عن الحق الذي عليه سلفكم، وجاهدوا من خالفه وتوفي رحمه الله وغفر له. فلما توفي السمح رحمة الله عليه بلغ الأمر في الناس موته مبلغا عظيما وترك ولدا يقال له خلف، وقد بلغ حب الناس لسمح غاية عظيمة بحسن سيرته وعظم درجته، فائتمرت العامة من الناس، ممن ليس له علم في الدين ولا تمييز في أمور المسلمين، أن يولو على أنفسهم خلف ابن السمح، وظنوا أن ذلك أوفق لأمير المؤمنين رضي الله عنه من فعلهم، فرد ذلك عليهم من له علم في الدين وبصيرة، وقال: ليس ينبغي أن تسبقوا إمامكم إلى شيء من أموركم. وقال بعضهم: نوليه على أنفسنا، فإن رضي بذلك أمير المؤمنين، وإلا عزلناه عن أنفسنا، فأبى عليهم من ذلك أهل الصلاح منهم: