كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٠

أبو المنيب اسماعيل بن درار الغدامسي رضي الله عنه، وأبو الحسن أيوب عامل الإمام رضي الله عنه على جبل نفوسة، ووجوه من ينظر إليهم من أهل دعوة المسلمين: فأبت العامة إلا أن يولوه خلف على أنفسهم فولوه، وبعثوا كتابا إلى الإمام رضي الله عنه عنه بتاهرت، بنعي عامله السمح واستخلافهم ابنه خلفا، فقالوا: إن رضي أمير المؤمنين بفعلنا، وإلا تركناه وعزلناه عن أمورنا. فلما وصلت الإمام كتب أهل طرابلس، بوفاة عامله السمح، وتولية بعض الناس ابنه خلفا، ورد أهل الخير ذلك عليهم، كتب الإمام رضي الله عنه جواب مكاتبتهم: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإني آمركم بتقوى الله العظيم والاتباع لما أمركم به، والانتهاء كما نهاكم عنه، فقد بلغني ما كاتبتموني به من وفاة السمح واستخلاف البعض خلفا، ورد أهل الخير ذلك، فإن من ولى خلفا بغير رضا إمامه، فقد أخطأ سيرة المسلمين، ومن أبى من توليته فقد أصاب، فإذا أتاكم كتابي هذا، فليرجع كل عامل استعمله السمح إلى عمله الذي ولي عليه إلا خلف بن السمح، فحتى يأتيه أمري، وتوبوا إلى ربكم وراجعوا التوبة لعلكم تفلحون. فلما وصل كتاب الإمام إلى طرابلس، اجتمع أهلها عليه، فقرؤوه وأصابوا به تخطئة من ولى خلفا وتصويب من توقف عن توليته، وأمر الإمام بكل عامل أن يرجع إلى عمله، إلا خلف بن السمح، فكتبوا إليه رضي الله عنه مرة ثانية: يطلبون أن يجيز لهم ما فعلوا من توليتهم خلفا، وكتب الإمام إليهم كتابا أن ما سألوه من تجويز فعلهم، لا يسعه ذلك فيما بينه وبين الله، ولو وسعني ذلك لفعلته لكم، وأن يتوبوا من فعلهم ذلك، فأرسل الإمام إلى خلف أفرده فيه، يأمره بتقوى الله والاعتزال لأمور المسلمين والكف عنها، وحرم على من يدفع له صدقات من ماله، فحرم عليه أخذها حتى يعتزل أمور المسلمين. ثم إن الإمام رضي الله عنه اجتهد في النظر لأمور المسلمين بغاية الاجتهاد، فأرسل كتابا إلى الخاصة من جماعة المسلمين الذين كانوا في طرابلس، وكتابا آخر فيه استعمال خلف، وأمرهم أن يدفعوا له الكتاب الأول الذي فيه عزل خلف، فإن قرأه واعتزل عن أمور المسلمين وكف عنها وأطاع إمامه، ولم تكن له رغبة في الأمور، أن يدفعوا له الكتاب الثاني الذي فيه توليته، وإن أبى الاعتزال أن يتركوه في غيه وزيغه، حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. فلما وصلت كتب الإمام رضي الله عنه إلى طرابلس، دفعوا لخلف بن السمح الكتاب الذي فيه عزله، فلما قرأه وفهمه، اعتز واستكبر وأبى من الاعتزال، وتمادى على تولية الجهال له، فتركه المسلمون في غيه وزيغه. /80/

٧٨ / ٢١٠