كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩٢الافتراق الثالث في الإباضية
حدث غير واحد من أصحابنا أن الإمام رضي الله عنه استعمل على قنطرارة أبا يونس، وسيم النفوسي فولى قنطرارة وما والاها، فأحسن السيرة وكان أبو يونس أصله من نفوسة فخرج من الجبال متوجها إلى قنطرارة وكان سبب خروجه أن إماءه إذا خرجن إلى المفحص ليحطبن، صرن يأخذن الحطب من أجنة الناس، فإذا أمطر في وقته، كانت المواضع التي يأخذن الحطب منها يتمكن فيها المطر، فيأخذ الماء في الجريان، فتنهدم الجسور بذلك، فخرج خوفا من إتباعه، فولي بقنطرارة سنين عديدة. وبلغنا عن أبي يونس أنه طلع على الشرف الذي بنيت عليه قنطرارة، وهو يقول: لا فرار من الصدقة، والفار من الصدقة يؤدي، لا فرار من الصدقة والفار يؤديويكرر ذلك حتى صعد الشرف. وأرسل ابنه سعيد إلى الإمام رضي الله عنه ليتعلم عنده العلم، ومع سعيد نفاث بن نصر يتعلمان عند الإمام فلما بلغا من العلوم ما قدر الله لهما، توجها نحو بلادهما، حتى توفي أبو يونس وسيم، والد سعيد، فأراد الإمام رضي الله عنه أن يستعمل على قنطرارة، فاختبر الناس بذلك وميزهم فوجد سعيدا لأحكام المسلمين أصلح، ولأمور الدين أحسن، ولحدود الله أصلب، فكتب سجلا باستعمال سعيد فطواه وختم عليه بخاتمه، ولم يبين لهما العامل منهما، فدفع لهما السجل، فأمرهما ألا يفكا عن السجل حتى يأتيا إلى بلدهما ويصلا إلى قنطرارة. فمضيا فلما كانا ببعض الطريق، استخف بنفاث الشره والخفة وسوء الخلق وحب الرئاسة وإرادة الإمارة، واستغفل سعيدا، فتخلف إلى رحلهما، ففتش وراء المكتوب فوجه وفض خاتمه وفكه وقرأ الكتاب ليعلم من استعمله منهما، فوجد أن سعيدا هو العامل، فظنت نفسه الظنون، وأضمر في قلبه الغش والعدواة، حيث لم يستعمله الإمام. فوصل سعيد إلى قنطرارة فولي وأحسن السيرة وأقام بحق الله فيها وله منبر وجمعه. ثم إن نفاثا لما وصل إلى بلده، سئل عن الإمام فأظهر الطعن فيه، فقال: أضاع أمر المسلمين، ويزيد في الخلقة ويلبس الطرطور ويخرج إلى الصيد، ويصلي بالأشابر، فبلغ ذلك الإمام رضي الله عنه وما يقوله فيه، فأرسل إليه الإمام أن يأتيه، فما نقمه عليه نقضه بين يديه، وإن كان حقا، أعتبه الإمام من نفسه، وإن كان باطلا، فأيه .. ويواعده الإمام بقوله: ايه، فلما سمع نفاث بذلك قال: ايه من السلطان، هو القتل وله مسائل انتحلها لا أصل لها: منها الخطبة، زعم أنها بدعة. /92/