المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠وتشكل ظاهرة التكرار واحدة من الظواهر اللافتة للنظر في المادة اللغوية التي تتشكل منها الأماكن الواقعة على أرض عمان؛ حيث يتم الميل إلى بعض الأسماء فيكثر تداولها في الدلالة على مسميات متعددة، وتلك المسميات قد تنتمي إلي شرائح نوعية مختلفة كالقرى والأفلاج والحصون والقلاع، فتكون الكلمة الواحدة اسما لقرية، واسماً لفلج، واسماً لحصن واسماً لقلعة، وقد تتجاور هذه المسميات وقد تتباعد، فنرى الاسم الواحد يتكرر في مناطق مختلفة وولايات متباعدة، ولقد كانت هذه الظاهرة موضع ملاحظة أثناء عملية الجمع، والتحليل. والواقع أن هناك تكرارا أوليًا بسيطا، لم نتوقف أمامه كثيراً وهو ما يمكن أن يسمى بالتكرار الجغرافي) حيث يتم اللجوء عادة عند تمييز الأمكان المتشابهة إلى التفريق بينها، بنسبة بعضها إلى الجهات الست: الشرق والغرب والشمال والجنوب والأعلى والأسفل، ومن هذا المنطلق يكثر استخدام مصطلح (علاية) و (سفالة) في التفريق بين موقعين متجاورين، أو قسمين من مكان واحد، يفرق بينهما الارتفاع المكاني في أحدهما، والانخفاض في الآخر. وكثير من القرى والمدن العمانية توجد فيها هذه الظاهرة في التسمية والتكرار في مثل هذه الأسماء يبدو بسيطا يفسر ذاته بذاته
•
ويقترب من هذا التكرار في البساطة) التكرار المكاني)، حين يُلاحظ أن الاسم الذي يطلق على القرية، قد يطلق في نفس الوقت على الفلج الذي يمر بها، وعلى الحصن الذي يقع على مشارفها، وعلى الجبل الذي تنام في أحضانه أو القلعة التي تحتمي بها، ويكون من الطبيعي في هذه الحالة أن يتكرر الاسم مرتين أو ثلاثاً دون أن يكون لافتًا
للنظر
•
أما التكرار الذي يلفت النظر حقاً فهو ذلك) التكرار الاختياري) الذي يلجأ الناس إليه في أماكن مختلفة، وأمام ظواهر متنوعة، فإذا بهم يختارون - دون تعمد - كلمات معينة، يؤثرون تكرارها ربما من باب التفاؤل، أو لأنها تحمل دلالة معينة في بيئة معينة.
إن جانب الصياغة اللغوية لهذه الأسماء يمكن أن يفتح الباب كذلك أمام الدارسين في علم المقارنة وعلم اللهجات، بل يلفت النظر إلى بعض الصيغ الصرفية والنحوية، فيثير حولها تساؤلات جديدة، فالظواهر اللغوية الموجودة هنا والتي صبغت في معظمها بالعربية الفصحى المشتركة، تشير إلى آثار التقاء اللغات واللهجات فوق أرض تلك المنطقة قديماً وحديثاً، فقد نلتقي أحيانا بأسماء تنتمي أصولها إلى لغات إسلامية غير عربية، مثل كلمة «البندر» التي قدمت من الفارسية وأطلقت على بعض المرافئ والمدن