موسوعة أرض عمان مجموعة باحثين

المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٦

46

وبعد أن اتخذ الإمام أحمد بن سعيد من الرستاق عاصمة له، انصرف إلى الاهتمام بإنشاء قوة عسكرية قادرة على حماية البلاد والاحتفاظ بوحدتها. وأصبحت مسقط بفضل خبرته التجارية مدينة هامة لها علاقات وثيقة مع الهند وإفريقيا. وبلغ الأمن في عهده أن كانت البضائع تترك على أرصفة الموانئ دون حراسة ودون أن تمتد إليها الأيدي. كما أنشأ أسطولا بحريا لحماية طرق الملاحة التجارية وللقضاء على القرصنة على نحو ما فعل مع لصوص البحر في المحيط الهندي حين تسببوا في حجز مؤونة الأرز التي كانت ترد لعمان كل يوم، فواجههم طراده الرحماني وقتل زعيمهم. وقد أثار نجاحه خوف بعض الدول المجاورة، فبدأت بغزو البصرة في عام 1189 هـ الموافق 1755 م، فاستنجد والي بغداد بالإمام أحمد، فاستجاب له الإمام، وأرسل أسطوله بما فيه مركب القيادة الرحماني، وقضى على أسطول القراصنة في الخليج وقطع السلاسل الحديدية التي أقامها الغزاة في مياه الخليج أمام البصرة بمقدمة المركب الرحماني. كما فاجأهم في معركة بحرية ضارية تمكن خلالها من فك الحصار عن المدينة وإجلاء الغزاة وهزيمة أسطولهم

ولم يلبث أن توفي الإمام أحمد بن سعيد بعد ذلك ببضع سنين، وخلفه في الحكم ابنه سعيد بن أحمد (1198 هـ / 1783 م - 1199 هـ / 1784 م) وشاركه ابنه السيد حمد بن سعيد (1199 هـ / 1784 م - 1206 هـ / 1792 م) الذي اتخذ من مسقط عاصمة لحكمه وقام بتوسيع نفوذ عمان البحري في شرقي إفريقيا.

"

ثم خلفه سلطان بن أحمد (1207 هـ / 1792 م - 1219 هـ / 1804 م) الذي دعم النفوذ العماني بزيادة عدد سفن الأسطول. ولم تلبث البلاد أن وصلت إلى ذروة قوتها في عهد ابنه وخليفته من بعده السيد سعيد بن سلطان (1221 هـ / 1806 م - 1273 هـ / 1856 م) وكانت قوته تكمن في شخصيته التي تجمع بين الحلم والطموح، والمغامرة والمخاطرة، وشجاعة المحارب وذكاء التاجر، ودهاء الدبلوماسي إضافة إلى الحزم والعطف، وكان يدرك أن السلاح ليس كل أدوات الحرب، وأن السياسة قد تحقق ما لا يحققه السلاح. فأعطته مرونته قدرة على الإقناع. وبهذا استطاع أن يقيم ملكه الممتد من شرقي إفريقيا حتى الساحل الفارسي وسط عواصف العصر التي هبت على المنطقة من برها وبحرها وهو يقود سفينته ربانا ماهرا.

ففي بداية عهده كان السيد سعيد لا يحكم إلا أجزاء من عمان تربط بين مناطقها طرق صحراوية تتهادى فوقها قوافل الجمال، ويوم وفاته ترك وراءه إمبراطورية مترامية