تبصير العقول بعلم الأصول سليم بن سالم بن سعيد آل ثاني

تبصير العقول بعلم الأصول

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

تبصير العقول بعلم الأصول

فإن سفره إلى المدينة يكون بعد سفره إلى مكة وهذا القول حكي عن بعض علماء الأصول كأبي إسحاق الشيرازي، وعن جماعة من علماء النحو من المدرسة الكوفية منهم قطرب والفراء وثعلب.

والقول الثاني: أنها تفيد مطلق الجمع، وهذا ما ذهب إليه جمهور الأصوليين وعلماء النحو على مختلف مذاهبهم، وبالغ أبو علي الفارسي حيث حكى إجماع أئمة العربية عليه، والمقصود بمطلق الجمع أي جمع الأمرين - المعطوف والمعطوف عليه - وتشريكهما في الشيء، وهذا الشيء قد يكون ثبوتا مثل كتب زيد وقرأ، عمرو، فكلا الجملتين اشتركتا في الثبوت الذي هو ضد النفي.

وقد يكون الاشتراك في الذات نحو أكل وشرب زيد، فكل من الأكل والشرب ثابتان لزيد، أو في الحكم نحو نجح خالد وبكر، فكل من خالد وبكر اشتركا في النجاح، فلا تفيد هذه الواو ترتيبا ولا غيره من المعاني، وبما أنها تدلُّ على مجرد الجمع بين المتعاطفين فإنها تعطف الشيء على سابقه نحو قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبَ) [الحديد: 26] فنوح سابق على إبراهيم في الزمن، كما أنها تعطف الشيء على لاحقه كقوله: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الشورى: 3] فما قبل حرف الواو - المعطوف عليه ـ متأخر في الوجود عن ما بعد الواو ـ المعطوف. وتعطف الشيء على مصاحبه كما في قوله وجل: فَأَنجَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَهَا آيَةُ لِلْعَلَمِينَ} [العنكبوت: 15] حصلت النجاة لنوح ومن معه في السفينة في وقت واحد. ولهذا لو قال شخص - مثلا ـ دخل المسجد زيد وعمرو دلت الواو العاطفة أن كلا من زيد وعمرو اشتركا في دخول المسجد لكن قد يكون زيد هو المتقدم في الدخول وقد يكون عمرو دخل المسجد قبل زيد، ويحتمل أنهما دخلا معا في وقت واحد.