تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ١١٩الباب الأول: القرآن الكريم
119
به الانتقال من حكم إلى حكم آخر، ومن غرض إلى غرض آخر من غير إبطال الحكم الأول، وبالمثال يتضح الحال ويزول الإشكال، قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدا سُبْحَنَهُ، بَلْ عِبَادُ مُكْرَمُونَ) [الأنبياء: 26] أي بل هم عباد مكرمون، فقول المشركين اتخذ الرحمن ولدا، هذا حكم باطل لا حق فيه، ولذلك جاء بعد قولهم وادعائهم هذا بلفظة بل للاضراب عن هذا الحكم على سبيل الإبطال، ثم قرر الحكم الحق حيث وصف الملائكة بأنهم عباد مكرمون.
وقوله جل: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ)
به
[المؤمنون: 70]، فإن قوله تعالى: بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ) إبطال لما زعموه أن جنونا، فقولهم به جنة حكم باطل وزعم لا صحة فيه، فجاء بكلمة بل للاضراب الإبطالي، ثم عقبه بالحكم الصحيح الحق وهو أنه جاءهم بالحق، فالذي يأتي به لا يوصف بالجنون.
أما قوله ل: قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا) [الأعلى: 14 - 16]، فـ «بل» في هذه الآيات تفيد الإضراب الانتقالي، وليس فيها إبطال للحكم السابق بل هو انتقال من غرض إلى غرض آخر، ومن موضع إلى موضع ثان، وهكذا قوله عل: (وَلَدَيْنَا كِتَبُ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ. بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا} [المؤمنون: 62 - 63] تفيد بل الإضراب الانتقالي فالحكم قبل بل ثابت وحق كما أن الحكم بعدها كذلك، وإنما أتي به للانتقال من غرض إلى غرض آخر فحسب.
حرف الباء:
ومن حروف المعاني حرف الباء، وهو من حروف الجر، ويعمل الجر في الأسماء، كقولنا فتحت القفل بالمفتاح، فكلمة المفتاح اسم مجرور بالباء
وعلامة جره الكسرة.