تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٢٧الباب الأول: القرآن الكريم
127
مثاله:
وبالمثال يتضح الحال ويزول الإشكال، ومثال ذلك قوله تعالى في حق الوالدين: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُيّ) [الإسراء: 23]، فالحكم المذكور في لفظ الآية هو النهي عن التأفيف، فلا يجوز للولد أن يتأفف من والديه؛ لأن في ذلك إيذاء لهما، ولهذا لا يجوز شتمهما أو ضربهما فالنهي عن الشتم والضرب غير مذكور في الآية الكريمة، لكن لما عرفنا أن الله الله نهى الولد عن التأفيف لما في ذلك من إيذاء لهما حكمنا بمنع شتمهما وضربهما لتلك العلة التي أدركناها من الآية الكريمة، فأثبتنا حكم المنطوق به ـ النهي عن التأفيف المذكور في الآية للمسكوت عنه وهو الشتم والضرب، فهذا ما يسمى
بمفهوم الموافقة.
أقسامه:
وهو ينقسم إلى قسمين؛ لأن المسكوت عنه قد يكون أولى بالحكم كما في المثال السابق؛ لأننا لما أدركنا أن علة النهي عن التأفيف وهي قول كلمة أف التي تفيد التضجر هي الإيذاء فإن الشتم والضرب أشد إيذاء من التأفيف، فكان أولى بالمنع والتحريم، وهذا النوع يطلق عليه فحوى الخطاب، لأن الكلام يفهم من ذلك قطعا، وقد يكون المسكوت عنه مساويا للمذكور في الحكم مثل قوله وعَ: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْن سَعِيرًا} [النساء: 10]، فالآية الكريمة تدلُّ على النهي عن أكل أموال اليتامى ظلما، وعلة منع ذلك هو إتلاف أموال اليتامى، ولأجل هذه العلة يحرم إحراقها - أي الأموال - أو إغراقها وهذا الحكم مساو للحكم الوارد في الآية، فإن كان الحكم المسكوت عنه مساويا للحكم المنطوق به سمي هذا النوع لحن الخطاب، والمراد بلحن الخطاب معناه.