تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٦٦166
تبصير العقول بعلم الأصول
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ القِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَا بِكُمْ} [البقرة: 187]، ففرحوا بها فرحا شديدا، ونزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا القِيَامَ إِلَى الَّيْلِ) [البقرة: 187]. (1)
مثال آخر: ومن ذلك أيضا تحريم ادخار لحوم الأضاحي، فقد كان الادخار محرما ثم نسخ ذلك التحريم من غير، بدل، يقول عليه أفضل الصلاة والسلام ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم» (2). وحينما اعترض عليهم - أي الجمهور القائلين بجواز النسخ إلى غير بدل ـ بقوله: (مَا نَنسَحْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [البقرة: 106]، ووجه الاعتراض بهذه الآية واضح، فقد نصت الآية الكريمة أنه لا تُنسخ آية إلا ويأتي الله تعالى بخير من تلك الآية المنسوخة أو مثلها فلا بد من الإتيان ببدل المنسوخ، أجاب الجمهور عن هذا الاعتراض بأن ما تقدم من أدلة واقعة يفيد الجواز، وهذا يعني أن ظاهر الآية الكريمة إذا نسخت تلاوتها فإن الله تعالى سيأتي بما هو أفصح وأبلغ من الآية المنسوخة أو مثلها، فهذا يعني نسخ اللفظ لا الحكم.
وقالوا كذلك لو سلمنا بأن الآية تعني نسخ الحكم فإنها عامة، والأدلة السابقة التي تفيد جواز نسخ الحكم إلى غير بدل خاصة، وتخصيص العموم جائز، فلا إشكال في المسألة.
الوجه الثاني: النسخ مع بديل مساو، أو أخف، أو أثقل:
وكما وقع النسخ إلى غير بدل كما تقدم فإنه يقع مع البدل، أي أن يأتي المشرع بحكم بديل عن الحكم المنسوخ، وهذا البدل قد يكون مثل المنسوخ،
(1) رواه البخاري، باب (أحل لكم ليلة … )، رقم 1915.
(2) سبق تخريجه.