تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠تبصير العقول بعلم الأصول
المعتبر إنما هو إجماع جميع المجتهدين ولا يقتصر ذلك على أهل بلد بعينه أو فئة بعينها، وهذا ما قاله جمهور الأصوليين.
إجماع أهل المدينة:
وقد ذهب بعضهم إلى أن إجماع علماء المدينة المنورة يعتبر حجة ولا تجوز مخالفته واحتج على هذا القول بما روي عنه الله أنه قال: «إن المدينة طيبة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد»، ووجه الاستدلال من الحديث أن النبي الا الله امتدح المدينة المنورة وأخبر عنها بأنها طيبة وأنها تنفي الخبث، ويراد بذلك نفي الخبث عن أهلها فلا يكون فيهم، والخطأ يعتبر داخلا ضمن الخبث المنفي عنهم فلا يحصل منهم الحكم بناء على الحديث السابق ولهذا فإن اتفاقهم حجة
الخطأ
في
لا يجوز مخالفتها.
والسلامي
ونوقش هذا الاستدلال من قبل جمهور العلماء بأن الخطأ ليس نوعا من الخبث فإن الخطأ الحاصل من المكلف معفو عنه لقوله الله: «إن الله قد تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (2)، أما الخبث فهو
منهي
عنه.
كما استدل القائل بحجية إجماع أهل المدينة بأن الصحابة والتابعين هم أعرف الناس بأحوال النبي الكريم - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - فإنهم شاهدوا التنزيل وكانوا أقرب الناس من الرسول الكريم الله فكان قولهم مقدما على غيرهم وهذا يعني أن إجماعهم حجة يعتد بها، واعترض على هذا
والسلامي
(1) لفظ البخاري أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد». باب فضل المدينة … ، رقم 1871.
(2) رواه ابن ماجه باب طلاق المكره والناسي، رقم 2043.