تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣الباب الثالث: الإجماع
203
فعندما نعلم أن حكم هذه الحادثة أجمع عليه من قبل أهل الإجماع فإننا لا نتكلف البحث عن الدليل الذي يدل على ذلك الحكم، كما تحصل بذلك فائدة ثانية وهي حرمة المخالفة، فبما أن الحكم في تلك المسألة وقع فيها الإجماع فعندئذ يحرم علينا مخالفة ذلك الحكم أما قبل الإجماع فلا يحرم ذلك ما دامت المسألة محل اجتهاد ونظر فلكل مجتهد أن يبحث في حكمها ويدلي برأيه فيها حسبما توصل إليه اجتهاده أما بعد أن وقع الإجماع في حكمها فلا مجال للبحث والنظر بعد ذلك.
ألا يخالف الإجماع نص من الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة لأنها مصدر التشريع وعليها مدار الأحكام فلا تجوز مصادمتها ولو اجتمعت الأمة على ذلك فإن الإجماع على خلاف الكتاب والسنة ضلال مبين.
وكذلك لا يخالف هذا الإجماع إجماعا آخر في المسألة قد تقدمه لأن الإجماع السابق حق يجب اتباعه فلا يجوز نقضه.
حكم الإجماع غير الصريح (السكوتي):
سبق أن جمهور علماء الأصول يقولون بأن الإجماع الصريح (القولي) يعتبر حجة يجب العمل بها ولا يجوز، مخالفته لكن ما حكم الإجماع السكوتي وهو أن يقول أحد المجتهدين في عصر من العصور قولا ويصرح به ويسكت بقية المجتهدين عن ذلك من غير أن يصرحوا بموافقتهم على ذلك القول أو بمخالفته؟
ذهب جماعة من علماء الأصول إلى أنه لا يعتبر حجة وإنما هو كقول عالم واحد فيجوز لغيره، مخالفته ودليلهم على هذا القول: أن سكوت هؤلاء المجتهدين عن إبداء رأيهم في تلك المسألة يحتمل عدة أمور؛ فيحتمل سكوتهم لأجل النظر في الأدلة والموازنة بينها، والتروي في إبداء الحكم،