تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٢١الباب الرابع: القياس
221
الشرط الثالث: أن يكون معناه معقولا.
أي مما يدرك عقل المكلف علته التي ترتب عليها ذلك الحكم، وذلك لأن القياس يعتمد على معرفة العلة ومعرفة وجودها في الأصل؛ لأنه بها يتعدى الحكم إلى الفرع فإن كان ذلك الحكم لا تدرك علته، ولا يمكن التوصل إليها من قبل المكلفين فلا يصح القياس عندئذ؛ لأن من العلل ما لا يدركها إلا الله الله فيجب علينا التسليم بذلك كعدد ركعات الصلاة ووقتها ونصاب الزكاة فإننا لا ندرك العلة من وجوب الزكاة في أربعين شاة تحديدا أيَ لِمَ لَمْ تكن ثلاثين أو خمسين أو نحوها؟ فهذه أحكام تعبدية نقف عندها ونعمل بأمر الله الله فيها وإن لم ندرك علتها لكن لا يمكن القياس عليها لعدم علمنا بالعلة، أما تحريم أكل أموال الأيتام فلما كانت علتها واضحة صح القياس عليها فيحرم إحراقها أو إغراقها قياسا على أكلها بالباطل؛ لأن في كل ذلك إتلافا لحق الغير بدون وجه شرعي وهو ظلم محرم شرعا.
الشرط الرابع: ألا يكون عاما يتناول الفرع.
فإن كان كذلك فلا حاجة إلى القياس فتحريم الخمر مثلا ورد في قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] يقاس عليه بقية المسكرات لكن لما ورد قوله. كل مسكر حرام» (1) فهذا دليل عام يتناول كل مسكر سواء كان خمرا أو غيره، فقياس النبيذ عليه قياس لا داعي له لعموم قوله: «كل مسكر حرام» فتناول هذا النص بعمومه سائر المسكرات.
(1) رواه البخاري، باب بعث أي موسى … ، رقم 4343.