تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨228
تبصير العقول بعلم الأصول
وذلك مثل قوله تعالى في سورة المائدة: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة: 32]، أي بسبب قتل ابن آدم كأنما قتل الناس جميعا، فلفظ مِنْ أَجلِ) وضع ليدل على التعليل، فلهذا اعتبر الأصوليون العلة صريحة في الآية الكريمة.
ومثل الحديث النبوي الشريف: إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة»، والدافة قوم من الأعراب الفقراء يأتون المدينة عند الأضاحي، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أهل المدينة عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل أن يفرقوها على هؤلاء الفقراء ويتصدقوا بها عليهم فينتفعوا بها (1) ومما يدل دلالة صريحة على العلية الحرف كي، فإنه وضع ليدل على أمثلته قوله الله: كَن لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ} [الحشر: 7]، أي حكمنا بهذا في الفيء كي لا يتقاسمه الأغنياء والأقوياء لا يتقاسمه الأغنياء والأقوياء بينهم، فلا يحصل الفقير على شيء منه، فالحرف كي يدل صراحة على العلة.
التعليل، ومن
أما دلالة النصّ على العلة دلالة ظاهرة فحينما يكون في النص لفظ يستعمل للعلة ولغيرها، لكنه ظاهر في الدلالة على العلة، ومن ذلك حرف اللام فإنه يستعمل في العلة كما يستعمل للصيرورة أي لبيان العاقبة، ومن مجيئها للتعليل قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقوله سبحانه: ﴿وَيُنَزِلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: 11]، أما مجيئها للعاقبة فكقوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ وَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنَا) [القصص: 8]، ومن ذلك - أيضا - حرف الباء، فإنه استعمل لإفادة العلية كما في
(1) رواه مسلم، كتاب الأضاحي باب بيان ما كان النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، رقم 1971 لسان العرب، مادة دفف.