تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٩الباب الرابع: القياس
229
قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ هُمْ﴾ [النساء: 160] أي بسبب ظلمهم حرم الله عليم طيبات كانت حلالا لهم، كما استعمل لمعنى آخر كالاستعانة الوارد في قوله تعالى: (بسم الله الرحمنِ الرَّحِيمِ).
وقد تكون دلالة النص على العلية إيماء، ومعنى دلالة الإيماء: أن يقرن الشارع الحكم بوصف من الأوصاف لو لم يكن ذلك الوصف مفيدا للتعليل لكان ذكره عبثا، والشارع منزه عن العبث، وبالمثال تتضح المسألة، فمثال ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) فالحكم الوارد في الحديث الشريف هو نهي القاضي أن يقضي بين الخصوم، وقد قرن هذا النهي بوصف معين وهو الغضب، فكان اقترانه بالنهي دليلا على أنه علة لذلك النهي، فعلة النهي هي الغضب، ومن الأمثلة على الإيماء كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (للراجل سهم، وللفارس سهمان وذلك في قسمة الغنائم التي حصل عليها المسلمون من المشركين، فكل من الراجل والفارس مستحق للغنيمة، لكن فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في مقدار الاستحقاق، فجعل للراجل سهما، وللفارس سهمين، وعلة التفريق بينهما مستفادة من التفريق بين الوصفين فالفارس استحق سهمين لهذا الوصف وهو كونه فارسا، والراجل استحق سهما واحدا لكونه راجلا ليس معه فرس.
السرقة.
ومن أمثلة الإيماء - أيضا - قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: 38] فالحكم الوارد في الآية هو وجوب قطع اليد، وقرن بهذا الحكم وصف السارق مما يدل أن علة القطع هي فالفرق بين ما يدل على العلة نصا أو ظاهرا وبين ما يدل عليها إيماء: أن ما يدل عليها نصا هو حرف أو كلمة وضعتها العرب للدلالة على العلية فقط ولا تدل على معنى آخر، مثل الحرف (كي) وكقولهم (من أجل كذا)، وأما ما يدل على العلية ظاهرا فهو حرف أو كلمة وضعها العرب للدلالة على