تبصير العقول بعلم الأصول سليم بن سالم بن سعيد آل ثاني

تبصير العقول بعلم الأصول

الجزء ١ · صفحة ٢٣٧

الباب الخامس: الاستدلال

237

أنواع الاستصحاب

ويأتي الاستصحاب على أنواع متعددة من ذلك:

استصحاب الإباحة الأصلية، فالأشياء التي فيها منفعة للآدمي تعتبر مباحة له ما لم يرد دليل من الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع على خلاف ذلك، كما هو مذهب جماعة كبيرة من العلماء المحققين بدليل قوله عل:

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29] أي لتنتفعوا بها، كما أن الله و نص في كتابه العزيز في آيات كثيرة على تسخير ما في الأرض للإنسان وهذا يدلُّ على إباحة الانتفاع بها وإلا لما كان لذلك التسخير فائدة، وبناء على ذلك فكل شيء على هذه الأرض يجوز الانتفاع به ما دامت فيه مصلحة ومنفعة للإنسان ما لم يرد دليل يمنعه.

ومن ذلك استصحاب البراءة الأصلية، فذمة الإنسان بريئة من التكاليف الشرعية ما لم يرد دليل يدل على تكليفه بشيء منها، فالأصل أن الإنسان غير مكلف بشيء من العبادات حتى وردت أدلة من الكتاب العزيز والسُّنَّة النبوية المطهرة توجب عليه عبادات يقوم بأدائها كالصلوات الخمس ـ مثلا ـ والزكاة، والصوم، والحج، فالله جل يقول: {وَأَقِيمُوا الصَّلوة) [البقرة: 43]، وقد بينت السُّنَّة الصلاة الواجبة التي خوطب بها المكلف بأدائها ويقول ول: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] بعد قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185] فأوجب علينا صيام رمضان.

أما غيره من الشهور والأيام فغير مخاطبين بصومها فنحن على البراءة الأصلية ما لم يدل دليل على شغل الذمة بأي تكاليف من جهة الشرع، وكذا بالنسبة للزكاة يقول تعالى (وَآتُوا الزَّكَوةَ} [البقرة: 43] ثم بين النبي الكريم