تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠240
تبصير العقول بعلم الأصول
الأول: المصلحة المعتبرة، أي التي نصَّ الشارع على اعتبارها
وتسمى المصلحة الحقيقية، وهي التي جاءت لحفظ المقاصد الشرعية الكبرى وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل، والمال. فقد وردت نصوص كثيرة من الكتاب العزيز، والسُّنّة النبوية المطهرة تدلُّ على المحافظة على هذه الأشياء الخمسة.
القسم الثاني: المصلحة الملغاة، وهي التي لم يعتبرها الشارع بل ألغاها ولها أمثلة كثيرة منها ما يتوهم من مصلحة المساواة بين أولاد الهالك ذكورا وإناثا في الميراث فقد ألغى الشارع ذلك في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11].
ومن
الأمثلة المشهورة في كتب الأصول ما يروى أن الفقيه يحيى بن يحيى الليثي مفتي الأندلس في زمانه أفتى ملك الأندلس عبد الرحمن بن الحكم الأموي الذي جامع إحدى زوجاته في نهار رمضان عامدا بصيام العلماء وسألهم عمّا يجب عليه من كفارة فقال
شهرين متتابعين، فقد
جمع
يحيى بن يحيى الليثي عليك صيام شهرين متتابعين.
فلما خرجوا من عند الملك سئل عن ذلك؟ فعلل فتواه بأن المقصود من الكفارة هو الردع والزجر وهذا هو المناسب في حق ذلك الملك؛ لأنه لو أفتاه بعتق الرقبة مثلا لأمكن أن يعتق عن كل يوم وهذا يفتح له الباب لانتهاك حرمة شهر رمضان، وكذلك لو أفتاه بالإطعام لأمكنه أن يطعم مئات من المساكين، وهذا يعني أنه لا ينزجر بالكفارة فيخالف المقصود من شرعها لمن انتهك حرمة الشهر الفضيل. لكن العلماء لم يرتضوا هذه الفتوى ولم يعتدوا بهذا الجواب الذي أجاب به ذلك الفقيه وذلك أن الشارع ألغى هذه المصلحة، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن كفارة منتهك حرمة الشهر بالوقاع هي على الترتيب فيجب