تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٤٥الباب الخامس: الاستدلال
245
الفئة الموقوف عليها بتلك الأرض، ولا يمكن تحصيل هذا المقصود إلا بدخول حقوق الارتفاق عدل عن القياس الجلي وهو قياس وقف الأرض على البيع إلى القياس الخفي وهو قياس الوقف على الإجارة.
مثال الصورة الثانية من صورتي الاستحسان هو قاعدة بيع المعدوم، فقد نهى الشرع عن بيع المعدوم فلا يصح العقد على شيء غير موجود وإنما ستوجد لاحقا لأنه يترتب عليه الغرر على أحد الطرفين فلذلك ورد النهي عنه لكن استثني من هذه القاعدة بيع السلم، ويقال له كذلك السلف: وهو بيع موصوف الذمة مؤجل بنقد معجل كأن يحتاج شخص إلى مبلغ من المال فيقدم على
بيع تمر مزرعته الذي سيحصل عليه في السنة القادمة ـ مثلا بمبلغ معين .. وقد ورد صحة ذلك من السُّنَّة النبوية الشريفة فقد جاء من طريق ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، فهذا الحديث الشريف دليل واضح على جواز المعدوم بهذه الصفة التي بينها الرسول الكريم - عليه أفضل الصلاة وأتم
التسليم -.
أمثلة للاستحسان:
بيع
وللاستحسان أمثلة كثيرة وفروع فقهية متعددة نص عليها علماء الأصول في مؤلفاتهم القيمة أذكر بعضا منها للفائدة ولترسيخ معنى الاستحسان في الذهن وتوضيح صورته فمنها:
الغبن اليسير في المعاملات؛ فإنه معفو عنه شرعا فلا يؤاخذ به الإنسان مع أن الغبن فيه ضرر لأحد الطرفين وهو منهي عنه شرعا لكن عفي عن
اليسير استحسانا لعدم إمكان التحرز منه.
(1) رواه الترمذي، باب ما جاء في السلف في الطعام والتمر، رقم 1311.