تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٧الباب السادس: التعارض والترجيح
257
دليلان يظهر لدى المجتهد أنهما متعارضان فإنه يبحث عن تاريخ ورود كل منهما فإذا علم تقدم أحدهما على الآخر، وتوصل إلى ذلك فالمتقدم يعتبر منسوخا والمتأخر ناسخا.
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٌ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 240] فإن هذه الآية تفيد أن مدة العدة لمن يتوفى عنها زوجها سنة كاملة لكن وردت آية أخرى تفيد أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام يقول الله رحال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 234].
فعندما يبحث المجتهد في زمن ورود الآيتين يجد أن الآية الثانية نزلت بعد الآية الأولى فيحكم بأنها ناسخة فيعتمد عليها ويفتى بالعمل بها، فإن لم يتمكن من معرفة تاريخ ورودها التمس الجمع بينهما لأن إعمال الدليلين ما أمكن أولى من إلغاء أحدهما.
ومثال ذلك ما روي عنه للهلال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» مع الحديث الشريف الذي يقول: لا تنتفعوا بالميتة بإهاب ولا عصب) فيمكن الجمع بين الحديثين بأن نحمل المراد من قوله صلى الله عليه وسلم لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب على الإهاب قبل الدبغ أي لا يجوز الانتفاع به ما لم يدبغ فإذا دبغ صح الانتفاع به حينئذ لحديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم السابق «أيما إهاب دبغ فقد طهر وبهذا نكون قد أعملنا الحديثين ولم نلغ أحدهما.
(1) رواه الربيع بن حبيب في مسنده، باب أدب الطعام والشراب، رقم 389. (2) رواه أبو داود، باب ما روي ألا ينتفع بإهاب الميتة، رقم 4128.