تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨258
تبصير العقول بعلم الأصول
فإن لم يمكن الجمع بين الدليلين ولم نعرف تاريخ ورودهما فحينئذ نلجأ إلى الترجيح، وقبل أن أذكر طرق الترجيح أحب أن أذكرك أن من يقول بالترجيح هو العالم المجتهد الذي عنده ملكة الاجتهاد فإنه هو القادر على ذلك والذي يباح له أن يقدم على خوض غمار هذا الأمر دون غيره من عامة الناس أو حتى طلبة العلم مهما كانت حصيلتهم العلمية ما لم تتوفر فيهم شروط المجتهد.
التعارض بين الكتاب والسُّنَّة:
إذا وقع ما ظاهره التعارض بين دليل من الكتاب وآخر من السُّنَّة النبوية فما الحكم في ذلك؟
ذهب بعض الأصوليين إلى تقديم الكتاب العزيز على السنة النبوية
الصلاة
محتجين بحديث معاذ بن جبل حينما سأله النبي الكريم الله: «بم تحكم إن
والسلامي
عرض عليك القضاء؟» فقال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد»، قال: بسنة رسول الله، فقد قدّم الكتاب على السُّنَّة وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، بينما ذهب فريق آخر من الأصوليين إلى تقديم دليل السُّنَّة على دليل الكتاب وحجتهم على ذلك قول الله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: 44] فالسُّنَّة مبينة للكتاب، والمبين مقدم على المبين.
ومثال ذلك قوله الله وقد سئل عن الوضوء بماء البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته) مع قوله: (قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيَزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] فقوله صلى الله عليه وسلم: «الحل ميتته» شامل لجميع الحيوانات الموجودة في البحر، ومنها الخنزير سواء كان خنزير بر أو خنزير بحر لقوله
تعالى: أَوْ لَحْمَ خِنزير) فهذا الاسم يتناول خنزير البحر والبر معا.
(1) سبق تخريجه.