تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣الباب السادس: التعارض والترجيح
263
ومنها أن الدليل الذي فيه تخفيف يُرجّح على الدليل الذي فيه تشديد لأن
التيسير على العباد مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية فإن الدين مبني على اليسر كما دلت على ذلك آيات الكتاب العزيز وأحاديث النبي الكريم،
يقول الحق: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185] الله ويقول ل: يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا) [النساء: 28] ويقول وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٌ} [الحج: 78] وفي الحديث النبوي الشريف
«يسروا ولا تعسروا، وبشروا، ولا تنفروا» (1).
هي
ومنها أن الحقيقة مقدمة على المجاز فإن ورد دليلان متعارضان أحدهما حقيقة والآخر مجاز قدم ما فيه الحقيقة على ما فيه المجاز؛ لأن الحقيقة الأصل بخلاف المجاز فإنه بخلاف الأصل ولذلك احتاج إلى قرينة تصرفه عن حقيقته إلى مجازه
ومنها تقديم المحكم على النص ومثاله قوله الله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ لكُمْ﴾ [النساء: 24] فإنه نص على إباحة نكاح غير من تقدم ذكرهن في الآية وهذا يعني إباحة التزوج بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، لكن هذا الدليل معارض بقوله الا الله: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} [الأحزاب: 53] فهذا دليل محكم في تحريم نكاح زوجات النبي الكريم بعد وفاته.
ومن وجوه الترجيح كذلك أن ما ثبت بعبارة النص مقدم على ما دل بإشارته، ومثال ذلك قوله الا الله: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) [البقرة: 178] فإن هذه الآية دلت بعبارتها على القصاص من القاتل، أما قوله الله:
(1) رواه البخاري، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالعلم … ، رقم 69.