تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٦286
تبصير العقول بعلم الأصول
أن حكم الله في تلك المسألة الفرعية متعدد حسب تعدد آراء المجتهدين، قال بذلك جماعة من الشافعية ونسبه إمام الحرمين إلى المعتزلة وإلى أبي الحسن الأشعري وعزاه الإمام السالمي إلى أبي يعقوب الوارجلاني، وإلى الإباضية من أهل عُمان ما عدا ابن بركة.
القول الثاني: أن المصيب واحد ونسبه إمام الحرمين إلى نفاة القياس کالنظام وداود الظاهري وحكاه الشوكاني عن أكثر الفقهاء وعزاه الإمام السالمي إلى الإباضية من أهل المغرب وإلى ابن بركة، ولكل من الفريقين حجج وأدلة نقلية وعقلية:
أدلة الفريق الأول:
أما من ذهب إلى أن كل المجتهدين في المسألة الفرعية على صواب فاحتجوا بما يلي:
أولا: قوله: مَا قَطَعْتُم مِّن لَينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَابِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِى الْفَسِقِينَ} [الحشر: 5] وذلك أن الصحابة - رضوان الله عليهم ـ اختلفوا في نخيل بني النضير على فريقين: فريق يرى قطع نخيلهم وإفسادها خشية أن لا يستولي المسلمون عليها فأراد أن لا ينتفع بها أصحابها بنو النضير، وفريق آخر يرى الإبقاء على تلك النخيل وعدم إفسادها بالقطع وغيره لأنهم وثقوا من الله بالنصر وتمكينهم من أعدائهم فتؤول تلك الأموال إليهم فينتفعون بها فصرحت الآية الكريمة بتصويب الفريقين مع كونهما ضدين.
ثانيا: قوله: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهدِينَ} [الأنبياء: 78] فقد حكم كل من داود وسليمان بحكم غير ما حكم به الآخر ولم يصف الله تعالى أحدهما بأنه على قال: ﴿وَكُلًّا وَانَيْنَا حُكْماً وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 79] مما يدل أن كل مجتهد مصيب.
خطأ
بل