تبصير العقول بعلم الأصول سليم بن سالم بن سعيد آل ثاني

تبصير العقول بعلم الأصول

الجزء ١ · صفحة ٢٩٧

الباب الثامن: الاجتهاد والتقليد

297

كيف يصنع المقلد عند اختلاف العلماء:

لو وجد المقلد عالمين كلاهما أهل للاجتهاد لما اتصفا به من غزارة العلم وكثرة الورع، لكن أحدهما كان أكثر علما، والآخر أشد ورعا في دينه،

فمن الأولى بالاتباع والاستفتاء، هل الأكثر علما أو الأشد ورعا؟ القول الأول: ذهب بعض الأصوليين إلى أن الأعلم أولى بالاتباع وأحق بأن يقلد لقوة علمه وإحاطته فهو أبصر وأعمق نظرا بمآخذ الحكم، وممن ذهب إلى هذا الرأي الإمام السالمي زكم الله في طلعة الشمس.

القول الثاني: بينما ذهب بعضهم إلى تقديم الأورع لأنه أكثر جدية في توفية الاجتهاد حقه وتحرزا من التقصير.

أما إن استويا في العلم والورع أي إن المجتهدين كانا في مرتبة واحدة في العلم والورع فمن الذي يقلده العامي؟ الذي عليه جماعة من المحققين الأصوليين أن العامي في هذه الحالة مخير في تقليد أيهما شاء وممن قال به الشيخ علي بن عزرة الأزكوي، وحكاه في شرح الكوكب المنير عن أكثر الحنابلة لأنه ـ أي المقلد - في هذه الحالة كمنزلة المجتهد إذا تساوت عنده الدلالات فإنه يختار أيهما شاء.

القول الثالث: بينما ذهب فريق آخر من الأصوليين إلى أن المقلد يأخذ بالأيسر والأخف فيما يتعلق بحق الله تعالى، فمن أفتاه منهما ـ أي من المجتهدين الذين استويا علما وورعا - بالأخف إن كانت المسألة الفرعية تتعلق بحق من حقوق الله تعالى أخذ به وعمل بمقتضى فتياه؛ وذلك لأن الدين مبناه على اليسر ورفع الحرج؛ فإن التيسير على العباد مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية كما تدل على ذلك أدلة الكتاب العزيز والسُّنَّة النبوية الشريفة فالله الا الله يقول في كتابه العزيز: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حرج} [الحج: 78] ويقول: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185)