تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٣٢٣الباب التاسع: الأهلية
323
2 ـ أن يكون المكره منزعجا من الإكراه خائفا منه، لقناعته في نفسه أن المكره سيوقع عليه ما هدده به فعلا مباشرة إن لم يفعل ما أمره به المكره. - أن يكون المكره به أي الفعل الذي سيوقعه المكره يؤدي إلى ضرر بالغ بالمكره كإتلاف نفسه أو عضو من أعضائه، أو بما دون ذلك كالحبس والقيد والضرب الشديد، أما لو كان التهديد يسيرا كالضرب اليسير ونحو ذلك فلا أثر له في هذا الجانب.
والإكراه ينقسم إلى قسمين؛ فهو إما إكراه ملجئ وهو ما وقع التهديد فيه بإتلاف نفس أو عضو من الأعضاء، مع التحقق من إمكان تنفيذه من قبل المكره. وإما إكراه غير ملجئ كالتهديد بالحبس والضرب وغير ذلك مما لا يؤدي إلى إتلاف نفس أو عضو من أعضاء المكره.
والإكراه بنوعيه لا ينافي الأهلية، ولذا يتوجه إليه خطاب الشارع، وتثبت في حقه الأحكام الشرعية، فإن الأهلية ثابتة بالذمة والعقل والبلوغ، والإكراه لا يخل بشيء منها، لكن خفف عن المكره في بعض الحالات بسبب الإكراه، حيث راعي الشارع الحكيم حالة المكره فخفف عنه في مجموعة من الأحكام تسهيلا له وتيسيرا.
ومن ذلك أنه أباح له أن ينطق بكلمة الكفر لو أكره عليها ما دام قلبه مطمئنا بالإيمان، يقول الحق الله في سورة النحل: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَيْهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَينُ بِالْإِيمَنِ وَلَكِن مِّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106]، فنجد في هذه الآية الكريمة ذلك أن الله و رتب على الكفر غضبه وعذابه العظيم لكنه استثنى من المكره الذي ينطق بكلمة بلسانه دون قلبه إذ قلبه مطمئن بالإيمان، فالشرع مبناه على التيسير وعدم التكليف بما يشق على المكلف مشقة عظيمة، وإذا