تبصير العقول بعلم الأصول سليم بن سالم بن سعيد آل ثاني

تبصير العقول بعلم الأصول

الجزء ١ · صفحة ٣٢٤

324

تبصير العقول بعلم الأصول

كان الشارع خفف عن المكره بالنطق بكلمة الكفر فقد خفف عنه كذلك في ترك العبادات لو أكره على ذلك، فلو أكرهه آخر على ترك الصلاة مثلا بحيث لو لم يتركها لرتب عليه قتله أو قطع عضو من أعضائه أو نحو ذلك مما فيه إيذاء كبير يوقعه به إن لم يترك الصلاة وكان واقفا عليه فله أن يترك الصلاة ما لا يقدر على فعله مع وجود ذلك المكره، ويؤدي منها ما يمكنه حتى لو أداها بقلبه فهو معذور شرعا.

من

تلك

فإن كان الله و رخص للمكلف أن ينطق بكلمة الكفر وهو أعظم من الصلاة فالترخيص في ترك ما لا يمكنه من فعل الصلاة بسبب الإكراه من باب أولى.

كما أنه يثبت من الشارع الحكيم التخفيف عن المسافر في باب الصلاة بحيث أمره بقصر الرباعية إلى ركعتين وأجاز له الجمع في السفر لأنه مظنة المشقة فالترخيص في حالة الإكراه أولى لأنه أعظم مشقة من السفر، كما أن المشقة هنا متحققة بخلاف السفر فقد توجد وقد لا توجد.

أما إذا كان الإكراه واقعا على فعل محرم شرعا فإن هذا المحرم منه ما يقبل الترخيص بإتيانه ومنه ما لا يقبل ذلك، فلو أكره شخص على قتل غيره بحيث لو لم يقتله لوقع القتل عليه من جانب المكره فإن هذا الإكراه لا يترخص في فعله فلا يجوز له أن يقدم على قتل غيره، وذلك لأنه بهذا الفعل يكون قد فدى نفسه بقتل غيره ونفسه ليست أولى بالحياة من نفس غيره، وهكذا لو أكره على الزنى وهو فعل محرم شرعا لا

يصح منه ذلك، لأن

الزنا لا يتحقق إلا بالرضا فإن لم يكن راضيا به فإنه لا يتأتى منه ذلك. وأما المحرمات الأخرى فإنها تقبل الترخص ويؤخذ فيها بالتقية، وذلك كأكل الميتة وتناول الدم ولحم الخنزير ونحو ذلك مما أباحه الشارع عند الضرورة، فهذا مما يقبله الإكراه فيجوز للمسلم المكره أن يتناول من تلك