تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٣٣٠تبصير العقول بعلم الأصول
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَوْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأُولَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 4، 5] فقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) استثناء تقدمه ثلاث جمل الأولى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ، والثانية: {وَلَا نَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا، والثالثة وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ).
فهل هذا الاستثناء يعود على هذه الجمل الثلاث، أو يعود إلى الأخيرة؟ أما الجملة الأولى فقد اتفقوا جميعا أنه لا يعود الاستثناء إليها؛ لأن التوبة لا تسقط الحد؛ لأنه - أي القذف - من حقوق الآدمي وهي لا تسقط بالتوبة فهذه قرينة مانعة من رجوع الاستثناء إلى هذه الجملة فلا يتعلق بها النزاع فإن الخلاف بين الأصوليين فيما لم ترد قرينة تمنعه من عود الاستثناء إليه، وعلى ذلك يبقى النزاع في الآية هل يعود الاستثناء فيها إلى الجملة الأخيرة أو إلى الجملتين الأخيرة وما قبلها وهما: {وَلَا نَقْبَلُوا هَمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأَوْلَيْكَ هُمُ الْفَنسِقُونَ)؟
القول الأول: ذهب فريق من الأصوليين إلى أن الاستثناء في الآية راجع إلى الجملة الأخيرة فقط فمن تاب من تلك المعصية وهي معصية القذف قبلت توبته وانتفى عنه وصف الفسق، أما شهادته فإنها لا تقبل؛ لأن الاستثناء لا يرجع إلى هذه الجملة فتبقى على عمومها فمن قذف غيره بالزني لا تقبل له شهادة بعد ذلك أخذا بعموم الآية، والعام يؤخذ به ويعمل بمقتضاه ما لم
يرد ما يخصصه.
ولهم على هذا المذهب عدة أدلة من أهمها:
لو قيل برجوع الاستثناء إلى جميع الجمل لرجع إلى الجمل الثلاث، وهذا يقتضي إسقاط حد التوبة بالتوبة والإجماع منعقد على عدم إسقاطه مما يفيد أن الاستثناء لا يرجع إلا إلى الجملة الأخيرة.