تبصير العقول بعلم الأصول سليم بن سالم بن سعيد آل ثاني

تبصير العقول بعلم الأصول

الجزء ١ · صفحة ٣٣١

الباب العاشر: فروع فقهية

331

أن الاستثناء لا بد أن يتعلق بما قبله لأنه لا يمكن أن يستقل بنفسه، ويكتفى لذلك بالجملة الأخيرة لقربها من الاستثناء.

القول الثاني: بينما ذهب فريق آخر من علماء الأصول ـ وهم الأكثر ـ إلى أن الاستثناء يعود إلى الجملتين السابقتين وهما قوله تعالى: {وَلَا نَقْبَلُوا لهم شَهَدَةٌ أَبَدًا) وقوله حل: {وَأُوْلَيكَ هُمُ الْفَسِقُونَ) ولا يقتصر على الجملة الأخيرة، وبناء على ذلك فإن القاذف غيره بالزني إذا تاب قبلت شهادته ولا يوصف بالفسق لأن الله تعالى يقول: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقد استند أصحاب هذا القول إلى مجموعة من الأدلة تؤيد مذهبهم وترجح رأيهم في المسألة، ومن تلك الأدلة:

أن قوله تعالى: {وَأَوَلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ) معطوف على قوله تعالى: {وَلَا نَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةٌ أَبَدًا * والعطف يفيد التشريك، فيصير الجمل المعطوف بعضها على بعض في حكم الجملة الواحدة. فإنه - أي العطف - يصير المتعدد كالفرد، أما بالنسبة للجملة الأولى وهي فاجلدوهم ثمانين جلدة فإن الاستثناء لا يتناولها لقرينة تمنع ذلك أن حد القذف من حقوق الآدميين فلا يسقط بالتوبة ولذلك لم يُشَرَّك في الحكم لوجود هذه القرينة.

جملة

ذلك وهي

أن أهل اللغة وأرباب العربية متفقون على أن تكرار الاستثناء عقيب كل يعتبر عيا ولكنة فمن قال - مثلا - أكرم الطلاب إلا المهملين، وكافئ الموظفين إلا المهملين، وأحسن إلى العمال إلا المهملين لكان ذلك غير مستساغ عند أهل اللغة فلولا أن الاستثناء المذكور بعدها يعود إلى جميعها، وكان مغنيا عن تكراره عقيب كل جملة لما استهجن لتعينه طريقا. أن الاستثناء صالح لأن يعود إلى كل واحدة من الجمل، وليس بعضها أولى من بعض، فوجب الحكم برجوعه إلى جميعها كالعام ما لم تصرفه عن

ذلك قرينة مانعة.