تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٣٣٧الباب العاشر: فروع فقهية
337
ولأن خبر الآحاد أرجح ظنا من القياس، لأن القياس ينظر في ثبوته وصحته إلى عدة جهات فينظر إلى دليل أصله هل هو من الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع؟ وإن كان بالسُّنَّة هل هو متواتر أو آحاد؟ وما مدى قوة ثبوته من حيث السند؟ وإلى دلالته هل واضحة أو خفية؟ كما ينظر إلى الفرع وإلى العلة وقوة مسلكها ومدى سلامتها من القوادح.
أما القائلون بتقديم القياس فلهم أدلة كذلك على ما ذهبوا إليه
من
ذلك:
أنهم احتجوا بأن الصحابة والله لمن كانوا يقدمون القياس على خبر الآحاد، ومن ذلك أن عبد الله بن عباس حينما سمع الحديث الذي رواه أبو هريرة له: «الوضوء مما مست النار، ولو من ثور أقط»، قال له ابن عباس: يا أبا هريرة أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال: فقال أبو هريرة: «يا ابن أخي، إذا سمعت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له مثلا» (1).
كما أن ابن عباس الله رد حديث: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا لأنه لا يدري أين باتت يده (2) فقال ابن عباس؟ لأبي هريرة راوي الحديث فماذا تصنع بالمهراس». ويقصد بالمهراس حجر عظيم يصب فيه الماء عظيم يصب فيه الماء من أجل الوضوء.
كما احتجوا بأن القياس أقرب إلى الثبات من خبر الواحد وذلك لأن خبر الواحد ربما يدخله الكذب والغلط والنسخ مما يؤدي إلى إضعافه أما القياس فلا تدخله هذه الاحتمالات فكان أقوى.
(1) رواه الترمذي، باب الوضوء مما غيرت النار، رقم 79. (2) رواه الربيع بن حبيب في مسنده، باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم 87.