تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٣٣٨338
تبصير العقول بعلم الأصول
إلى غير ذلك الأدلة من التي استند إليها كل فريق، لكن ما الخبر الذي يروى في مسألتنا هذه - مسألة المصراة -؟ وما القياس الذي عارضه؟ أما الخبر فما روي من طريق أبي هريرة الله: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر فمن أخذ بحديث الآحاد وقدمه على القياس وهم جمهور
(1)
:
الفقهاء قال بأن المشتري له الخيار في إمساكها أو ردها ورد صاع من تمر في مقابل ما استفاده من اللبن معتمدا به على نص الحديث النبوي الشريف.
أما
من أخذ بالقياس ورد خبر الآحاد عندما يعارض القياس منع من ذلك، والقياس في هذه المسألة أن الضمان في ما هو مثلي يضمن بالمثل - والمقصود بالمثلي ما له مماثل من جنسه كالأرز والشعير والتمر ونحو ذلك، والقيمي ما ليس له مثل من جنسه كالأنعام فإنها تختلف قوة وضعفا، ونحافة وسمنا، وطولا وشكلا ونحو ذلك، فتضمن بالقيمة لعدم تأتي المثل. وفي هذه المسألة إن اعتبرنا اللبن مثليا فيلزم رد المثل، وإن اعتبرناه قيميا فيلزم رد القيمة أما أن يرد تمر مكان اللبن فهذا مخالف للقياس إذ التمر ليس مثلا للبن ولا قيمة له وهذا خلاف ما ثبت بالكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس وما كان كذلك فلا يعمل به ويقدم عليه القياس، كما أنه خالف قياسا آخر أن الضمان يعتبر بقدر التالف لا بقدر معين فإن التالف وهو اللبن هنا قد يزيد وقد ينقص فلبن الشاة أقل بكثير من لبن الناقة كما أنه يختلف من شاة إلى أخرى فكان الضمان بقدر التالف زيادة ونقصا كما القياس، أما هو أن يقدر بقدر معين ثابت وهو صاع من تمر فذلك خلاف القياس فلا نعتد به
وهو
ولا نأخذ بحكمه، وكذلك خالف هذا الخبر القياس من وجه آخر وهو حدد الخيار فيه ثلاثة أيام، وخيار العيب لا يقدر بذلك القدر من الزمن.
أنه
(1) رواه البخاري، باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم وكل محفلة، رقم 2184.