تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٣٤٩الباب العاشر: فروع فقهية
349
سبب الخلاف ومبنى اختلافهم في هذه المسألة على الخلاف الوارد بين علماء الأصول في دلالة الباء في قوله تعالى: {بِرُءُوسِكُمْ) هل تدلُّ على الإلصاق ويراد بالإلصاق هو تعليق الشيء بالشيء وإيصاله إليه.
فمن ذهب إلى أن الباء تفيد الإلصاق في هذه الآية الكريمة قال بعدم وجوب مسح كل الرأس؛ لأن الباء إذا دخلت على المحل وهو الرأس هنا أي محل المسح فإنها لا تفيد الاستيعاب وهذا مذهب الحنفية وجمهور الإباضية، ومن ذهب إلى أن الباء هي للتوكيد فقد أوجب استيعاب مسح الرأس كما ذلك عن الإمام مالك بن أنس.
روي
وذهب فريق من الفقهاء إلى أنه يجب مسح البعض من الرأس لكنه اعتمد على أن الباء في الآية الكريمة تدل على التبعيض أي امسحوا بعض رؤوسكم وليس للإلصاق لكن حمل الباء على التبعيض في الآية الكريمة اعترض عليه.
طلعة
وممن اعترض على ذلك الإمام السالمي ـ رحمة الله عليه ـ في الشمس ووجه الاعتراض أن حمل الباء على التبعيض يفضي إلى الترادف، فإن الدال على التبعيض هو حرف من ويراد بالترادف هو أن تتعدد الألفاظ «من» ويتحد المعنى مثل كلمة الأسد، والليث، والهزبر فإنها ألفاظ متعددة لكن مدلولها واحد، وهو ذلك الحيوان المفترس المعروف، وقد وضعت العرب كل حرف من حروف الجر ليدل على معنى، فالباء وضعت لتدل على الإلصاق، ومن تدلُّ على التبعيض، وإلى لانتهاء الغاية، وهكذا بقية الحروف كل حرف وضع بإزاء معنى من المعاني. فلو قلنا بأن الباء في الآية تدلُّ على التبعيض، لكانت مؤدية معنى تدلُّ
عليه «من» وهو التبعيض فتعدد اللفظ واتحد المعنى.