تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٣٥٠350
تبصير العقول بعلم الأصول
كما أن القول بأن الباء للتبعيض يؤدي إلى القول بالاشتراك، ويقصد بالاشتراك هو دلالة اللفظ على أكثر من معنى كدلالة العين على الباصرة والذهب والعين الجارية والشمس وغير ذلك مما وضعته العرب ليدلُّ عليه لفظ العين من المعاني، والأصل في اللفظ عدم الاشتراك أي دلالته على معنى مفرد فقط، فلو قلنا: إن الباء في الآية الكريمة تدلُّ على التبعيض لترتب على هذا القول أن الباء
وضعت لتدلّ على معنيين وهما الإلصاق والتبعيض، والأصل خلاف ذلك.
وقد عزز كل فريق من الفريقين القائلين بوجوب مسح جميع الرأس، والقائلين بالاكتفاء بمسح بعضه مذهبه بأدلة من السنة النبوية الشريفة وبأدلة أخرى لا داعي لذكرها إذ الغرض التنبيه على مدى أهمية أصول الفقه وأن كثيرا مما اختلف فيه الفقهاء من المسائل الفقهية مبناها خلاف بين الأصوليين في قضايا وقواعد أصولية.
المسألة الحادية عشرة: التسوية في العطية بين الأولاد من القواعد الأصولية التي تكلم فيها علماء الأصول، واستوعبوها بحثا وتحقيقا قاعدة دلالة الأمر، فإذا ورد إلينا أمر من الشرع هل نحمله على الوجوب أو الندب أو الكراهة أو الإباحة إلى غير ذلك من الأقوال والآراء عند الأصوليين، ولكل قول أدلته ولكل رأي مستنده، والذي عليه جمهورهم أن الأمر الوارد من الشرع يدلُّ على الوجوب ما لم تصرفه قرينة، والمراد بالقرينة هي الدليل الصارف للأمر عن دلالته على الوجوب كقوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَا يَنتُم بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، فلفظ (فَاكْتُبُوهُ) فعل أمر لكنه لا يدلُّ على الوجوب لقرينة وهو أن في كتابة المحافظة على الحقوق فهذه قرينة نقلت دلالة
الدين مصلحة دنيوية وهي الأمر من الوجوب إلى الندب.