تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٣٥٢352
تبصير العقول بعلم الأصول
ومن
ماله
تلك القرائن التي ذكروها: أن الإنسان يجوز له أن يعطي جميع لغير أولاده مع وجودهم فإن جاز ذلك مع غيره فإن جواز إعطائه لبعض أولاده من باب أولى على أنه إنما يعطيه جزءا من ماله لا فالحديث يحمل على استحباب التسوية بينهم لهذه القرينة.
جميع
ماله
لكن الفريق الأول القائل بوجوب العدل والتسوية في العطية لم يسلم بهذه القرينة واعترض عليها بأنها قياس في مقابل النص، فبما أن النص وهو الحديث الشريف السابق أوجب التسوية فلا مجال للقياس، لأن النص مقدم على القياس، كما اعترض كذلك بأن إعطاء بعض الأولاد عطية دون بعضهم يؤدي إلى وجود الشحناء بينهم، ويثير البغضاء والعداوة، وما يؤدي إلى ذلك فهو ممنوع. أما لو أعطى غير أولاده، فلا يؤثر ذلك على غيرهم، ولا يؤدي إلى هذه النتيجة، نعم قد يتأثر الأولاد بذلك لكنه أقل بكثير فيما لو أعطى بعضهم دون بعض، فإن غيرتهم من الأجنبي ليست كغيرتهم على بعضهم.
ومن القرائن التي اعتمدوا عليها في نقل دلالة الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب ما قام به الخليفتان الراشدان أبو بكر الصديق وعمر بن
الخطاب لها فإن أبا بكر الصديق روي عنه أنه قال لابنته السيدة عائشة في مرض موته: «والله يا بنية ما من الناس أحد أحبُّ إلي غنيّ بعدي منك، ولا أعزُّ علي فقرا بعدي منك، وإني كنتُ نحلتك جاد عشرين وسقا، فلو كنتِ جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث» (1)، وأما عمر بن الخطاب فإنه نَحَلَ ابنه عاصما دون سائر ولده.
واعترض على هذه القرينة كذلك بأن عروة بن الزبير قال بأن إخوة عائشة لنا كانوا راضين بتلك النحلة التي اختصها بها أبوها والمسألة في غير
(1) رواه مالك في الموطأ، باب ما لا يجوز من النحل، رقم 20.