تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٤١الباب الأول: القرآن الكريم
41
سبب الخلاف:
ومثار الخلاف بين الفريقين هو أن تقدم النهي - الحظر ـ على الأمر هل ـ يعتبر قرينة صارفة له عن الوجوب أم لا؟
فمن اعتبره قرينة يعتمد عليها ذهب إلى أن الأمر الوارد بعد النهي يدلُّ على الإباحة، فيختلف حكمه عن الأمر الوارد ابتداء، ومن لم يعتبرها قرينة، أي كون تقدم الحظر على الأمر ليس قرينة على ذلك، ذهب إلى أن الأمر باق على مدلوله كما هو مذهب الجمهور في ورود الأمر ابتداء فيفيد الوجوب، وأصحاب هذا القول يعتبرون الأمر الوارد بعد الحظر دالا على الوجوب ما لم تكن هناك قرينة معتد بها، فإن وجدت قرينة تخرج مدلول الأمر عن الوجوب صرف إليه.
فقوله الله: (فَإِذَا تَطَهَرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222] وقوله ل: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا} [المائدة: 2] وقوله سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) [الجمعة: 10] هي أوامر تدلُّ على الندب لوجود القرينة الصارفة لها عن الوجوب، والقرينة في هذه الآيات أن المصلحة فيها دنيوية، ولا يجب شيء
مما فيه منفعة دنيوية إلا إن كان لدفع ضرر فإنها تصبح واجبة عندئذ.
أما إذا عدمت القرينة فالأمر بعد الحظر للوجوب كقوله وجَل: ﴿فَإِذَا أَنسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] حيث حرم الله وعن قتال المشركين أثناء الأشهر الحرم، وأمر به بعد انسلاخها، والأمر واجب على الكفاية.