تبصير العقول بعلم الأصول سليم بن سالم بن سعيد آل ثاني

تبصير العقول بعلم الأصول

الجزء ١ · صفحة ٦٥

الباب الأول: القرآن الكريم

قصة طريفة:

ومما يحكيه أهل الأدب أن جريرا الشاعر المعروف حينما قال: يا حبذا جبل الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا

اعترضه الفرزدق بقوله: إن الريان تسكنه القرود والخنازير، فرد عليه جرير بقوله: إنما قلت من كانا ولم أقل ما فانقطع الفرزدق، وذلك أن جريرا استخدم كلمة من ومن للعاقل، أما القرود والخنازير فلا تدخل في كلمة من لأنها غير عاقلة ولذلك انقطع الفرزدق.

على أن بعض علماء الأصول عدل عن قولهم من يعقل وقال الأحسن أن نقول: مَن لمن يعلم بدل من يعقل وحجته على ذلك أنها ـ أي من ـ تطلق على الخالق الله كما في قوله وان: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ) [الرعد: 16]، والله تعالى نصفه بالعلم ولا نصفه بالعقل.

وقد تستعمل (مَن) في غير العاقل إذا اختلط بالعاقل كقوله وعجل: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ} [النحل: 17] فالمراد بمن لا يخلق كل ما عبد من دون الله تعالى من العاقلين وغيرهم فمن هنا جيء بها للتغليب الذي

اقتضاه الاختلاط

وأما كلمة (ما) فإنها وضعت في أصل العربية للدلالة على غير العاقل هكذا قال جمهور العلماء - كقوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى) [طه: 17]، وقوله سبحانه: ﴿مَا يَفْتَح اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: 2] وتستعمل كذلك في صفات من يعقل فتقول مثلا: ما زيد؟ فتجاب بأنه كريم أو شجاع أو فاضل وهذه صفات من يعقل، وقد تستعمل ما للعاقل مجازا، كقوله عل: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا﴾ [الشمس: 5]، والذي بناها هو الله، والقرينة وعال، هنا كما يقول بعض المحققين من علماء الأصول هي المبالغة في التعظيم