تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٨٤84
تبصير العقول بعلم الأصول
نحوهما، وهناك أقوال أخرى لكن الذي ذهب إليه أكثر الأصوليين هو أن إطلاق العام بعد تخصيصه يعتبر مجازا فيما تبقى من أفراده منهم البيضاوي وابن الحاجب والصفي الهندي وابن برهان والإمام السالمي في طلعة الشمس. وقد احتجوا على ما ذهبوا إليه بمجموعة من الحجج من أهمها:
أن اللفظ العام وضعته العرب ليدلُّ على الشمول والاستغراق، فهو حقيقة في هذا المدلول، فقوله تعالى: - مثلا - يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} [النساء: 1] عام لجميع الناس، واستعمال اللفظ العام ليدل على بعض أفراده وذلك بعد تخصيصه بمخصص إنما هو استعمال في غير ما وضع له، إذ لا يدل في هذه الحالة على الاستغراق، فإذا كان كذلك فهو مجاز، إذ المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له.
والحجة الثانية لهذا القول أنه لو قلنا بدلالة العموم على بعض أفراده على سبيل الحقيقة لكان العموم يدل على معنيين كلاهما حقيقة على الاستغراق وعلى بعض الأفراد بعد تخصيص العموم، وهذا يعد من قبيل الاشتراك أي تكون دلالة العام على الحقيقة مشتركة بين الاستغراق وبعض أفراده، والمجاز أولى من الاشتراك فيقدم عليه عند الترجيح.
حجية العام بعد تخصيصه
المسألة الأخرى هي إذا خصص ذلك العام فهل يكون بعد التخصيص حجة يعتد بها ويعمل بمقتضاها فيما بقي من أفراده؟
الذي عليه جمهور الأصوليين أنه يعتبر حجة ودليلا على ذلك، وممن قال به الآمدي وابن الحاجب وصححه البدر الشماخي واختاره الإمام السالمي، فقوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] عام