تبصير العقول بعلم الأصول
الجزء ١ · صفحة ٨٨88
تبصير العقول بعلم الأصول
أمثلة استعمال المشترك في الشرع
كما أن الشرع استعمل المشترك، فقد ورد ذلك في كتاب الله تعالى في أكثر من آية، ومن أمثلة ذلك قوله الله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228] فكلمة قروء لفظ مشترك بين الحيض والطهر.
ومنها قوله رجل: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ فِي يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127]، فكلمة ترغبون مأخوذة من الرغبة وهي لفظ مشترك بين الميل إلى الشيء والميل عنه، فإذا كانت بمعنى الميل إلى الشيء استعمل بعدها حرف الجر «في»، فتقول: رغبتُ في العلم، ورغبت في صحبتك، وإذا كانت بمعنى الميل عن الشيء جيء بعدها بالحرف عن - مثلا - رغبتُ عن صحبة الكذاب.
ومن ذلك قوله: (وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) [التكوير: 17]، فكلمة عسعس فعل بمعنى أقبل، وبمعنى أدبر، ومنها قوله ل: فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) [الانشقاق: 16]، (والشفق يطلق على عدة معان منها الشفقة التي هي الرحمة والحنان، ومنها الخوف من حلول مكروه، ومنها حمرة تظهر في الأفق حين تغرب الشمس وتستمر في الغروب إلى قبيل العشاء، ومنها الناصية.
والمشترك حقيقة في جميع معانيه أي إن ذلك اللفظ يطلق ويراد به كل معنى من معانيه على سبيل الحقيقة وبهذا فهو يختلف عن المجاز، فإن المجاز يطلق ويراد به غير معناه لقرينة تصرفه عن حقيقته مع وجود علاقة بينه وبين الحقيقة، فإطلاق لفظ الأسد - مثلا - على الرجل الشجاع يعتبر من قبيل المجاز، فإن هذه اللفظة - استعملها العرب لتدلّ على الحيوان المفترس لكن لما كان الأسد متصفا بالشجاعة أطلق هذا اللفظ على الرجل الشجاع لهذه العلاقة، وهي صفة الشجاعة.