أمة الإسلام إلى أين مسيرا ومصيرا
الجزء ١ · صفحة ٢٣نعم؛ إن ذلك هو الإيمان الذي ملأ وجدانهم وامتلك سرهم وجهرهم، وقد ترجموه إلى أعمال وأخلاق، فكانوا أمة مثالية بين الأمم ألبسهم الله تعالى الهيبة والوقار وملأ قلوب عباده حبا لهم تغلغل في أعماقها وإعجابا بسجاياهم الحميدة ملأ مشاعرهم وأحاسيسهم، ففاض على ألسنتهم حسن الثناء لهم، ولا غرو فإنهم شغلوا بحب الله عن كل من سواه وما سواه، وتزاحم في قلوبهم خوفه ورجاؤه، فأذهلهم خوفه عن خوف من دونه، فلم يبالوا بالجيوش الجرارة المزودة بأقوى العتاد، وامتلكهم رجاؤه فلم يلتفتوا إلى ما بأيديهم من الأسباب، وإنما أهمهم مسبب الأسباب، فكانوا في جميع أحوالهم يستمسكون بحبل التقوى ويتواصون بها.
فقد اشتهر أنه "كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما ومَن معه من الأجناد: أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضلُ العدَّة على العدوّ، وأقوى المكيدة في الحرب وآمُرك ومن معك أن تكونوا أشدّ احتراساً من المعاصي منكم من عدوّكم، فإن ذنوب الجيش أخوفُ عليهم من عدوّهم، وإنما يُنصَرُ المسلمون بمعصية عدوّهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عُدَّتنا كعدّتهم، فإذا استَوَينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة،