قناطر الخيرات (القسم الأول: قنطرتا العلم والإيمان) إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

كتاب قناطر الخيرات

الجزء ١ · صفحة ١٤٢

14 -

وألحقت الفقهاء بعلماء الدنيا؟ فاعلم أن الله تعالى أخرج آدم من التراب وأخرج ذريته من سلالة من ماء دافق فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام ومنها إلى الدنيا ثم إلى القبر تم

إلى العرض، ثم إلى الجنة أو إلى النار، فهذا مبدأهم، وهذه غايتهم، وهذه منازلهم،.وخلق الدنيا زاداً للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزود، فلو تناولوها بالعدل لا نقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء، ولكنهم تناولوها بالشهوات فتولدت منها الخصومات فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم، واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به، فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات، فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم لتنتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا، ولعمرى إنه متعلق أيضا بالدين ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا فإن الدنيا مزرعة للآخرة، ولا يتم الدين إلا بالدنيا، والملك والدين توأمان، فالدين أصل والسلطان حارس، ومالا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان، وطريق الضبط فى فصل الخصومات بالفقه، فكما أن سياسة الخلق بالسلطنة ليس من علم الدين في الدرجة الأولى، بل هو معين على مالا يتم الدين إلا به، فكذلك معرفة طريق السياسة؛ فمعلوم أن الحج لا يتم إلا ببذرقه (?) تحرس من العرب في الطريق، ولكن الحج شيء وسلوك الطريق إلى الحج شيء ثان. والقيام بالحراسة التي لا يتم الحج إلا بها شيء ثالث، ومعرفة الحراسة وحيلها وقوانينها شيء رابع. وحاصل فن الفقه معرفة طريق السياسة والحراسة، ويدل على ذلك ماروى مسنداً «لا يفتى الناس إلا ثلاثة: أمير أو مأمور أو متكلف (?)) فالأمير هو الإمام، وكانوا هم المفتون، والمأمور نائبه، والمكلف غيرهما وهو الذى يتقلد تلك العهدة من غير حاجة، فقد كان الصحابة رضى الله عنهم يحترزون عن الفتوى حتى كان يحيل كل واحد منهم على صاحبه، وكانوا

D

•

(?) البذرقة: بالذال المعجمة والمهملة: الحفارة. والمبذرق: الخفير (?) أخرجه ابن ماجه من رواية عمرو بن شعيب عن أيه عن جده بلفظه ولا يعفى على

لناس 000، وإسناده حسن.