كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ١٦٧—
وليس المارى به هو المناظر فيه طلبا للصواب، وقد بين ذلك بعض العلماء فقال لصاحبه: لا يمنعنك حذر المراء من حسن المناظرة فإن المارى هو الذى لا يريد أن يتعلم منه أحد ولا يرجو أن يتعلم من أحد.
القسم الثالث: ينبغى لطالب العلم أن يقدم أولا طهارة النفس من دناءة الأخلاق ومذموم الأوصاف؛ لأن العلم عمارة القلب، وصلاة السر، وقربة الباطن إلى الله تعالى. فكما لا تصح صلاة الجوارح الظاهرة إلا بطهارة الجوارح من جميع الأحداث والأخباث، فكذلك لا تصبح عبادة الباطن وعمارة القلب بالعلم إلا بعد طهارته من خبائث الأخلاق من الفل والكبر والرياء وغير ذلك. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بنى الدين على النظافة (1). وهو لعمرى كذلك باطناً وظاهراً، وقد قال الله تعالى: إنما المشركون نجس» (?). تنبيها للعقول على أن الطهارة والنجاسة ليست مقصورة على الظواهر. فالمشرك قد يكون نظيف الثوب مغسول الجسد. ولكنه نجس الباطن بالشرك. وقد قال تعالى: «وثيابك فطهر». أى قلبك فنق فى بعض الأقوال.
فإن قيل: كم من طالب رديء الأخلاق قد حصل العلوم اقيل له: فهيهات، ما أبعدك عن العلم الحقيقى النافع في الآخرة؛ فإن من أوائله أن تظهر للعالم به أن المعاصى سموم مهلكة. وهل رأيت من يتناول شيئاً مع علمه بأنه سم مهلك؟ إنما الذي تسمعه من المتشبهين بالعلماء. في التشدق روايات ومسائل تلقفوها من غير معرفة بحقائقها، وليس ذلك من العلم في شيء. . وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: ليس العلم بكثرة الروايات، إنما العلم نور يقذف في القلب.
(?) قال أبو الفضل العرافي. لم أجده هكذا. وفى الضعفاء لابن حبان من حديث عائشة «تنظفوا فإن الإسلام نظيف». وللطبرانى فى الأوسط بند ضعيف جدا من حديث ابن مسعود «النظافة
تدعو إلى الإيمان (2) التوبة: 28