قناطر الخيرات (القسم الأول: قنطرتا العلم والإيمان) إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

كتاب قناطر الخيرات

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

وأنشد المبرد للغنوى (1):

فل الفقيه تكن فقيها مثله لا خير في علم بغير تدبر

وإذا تعسرت الأمور فأرجها وعليك بالأمر الذي لم يعسر

وربما تتبع نفس المتعلم من بعد عنه من العلماء استهانة بمن قرب منه، وطلب ماصعب احتقاراً لما سهل عليه فلا يدرك محبوبا ولا يظفر بطائل. وقد قالت العرب في أمثالها: العالم كالكعبة؛ يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء. وأنشد الماوردى عن بعض شيوخه اللمسيح بن حاتم (?):

لا ترى عالما يحل بقوم فيحلوه غير دار الهوان قلما توجد اللامة والصحة مجموعتين في إنسان فإذا حلنا مكانا سحيقاً فهما في النفوسِ معشوقتان هذه مكة العـ زيزة بيت الله يسعى لحجها الثقلان

وترى أزهد البرية في الحج لها أهلها لقرب المكان

وينبغي للمتعلم أن يكون في طلب العلم راغباً فى ثواب الله راهبا من عقابه. وقد قالت الحكماء: أصل العلم الرغبة، وثمرته السعادة. فإذا اجتمعت فيه الرغبة في ثواب الله، والرهبة من عقاب الله أدياه إلى كنه حقيقة العلم وحقيقة الزهد، فإذا اقترن العلم والزهد فقد تمت السعادة وعمت الفضيلة، وإن افترقا فياويح مفترقين ما أضر افتراقهما وأقبح انفرادها. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ازداد في العلم رشداً

(1) المرد: هو أبو العباس محمد بن يزيد من أئمة اللغة والأدب. وكان شاعراً أدباً عالماً باللغة والنحو والتصريف. ولد بالبصرة سنة عشر ومائتين، ثم رحل إلى بغداد، وما زالت همته تسمو حتى صار إمام العربية فيها. وله فيها من الكتب كتاب الكامل، وهو أشهر كتبه. (2) أدب الدنيا والدين: 63