قناطر الخيرات (القسم الأول: قنطرتا العلم والإيمان) إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

كتاب قناطر الخيرات

الجزء ١ · صفحة ١٨١

—

147 -

—

الرابع: الشهوة التي يدوم بها الطلب، ولا يسرع إليه الملل؛ لأن من صدقت شهوته في العلم، وبعدت همته في الطلاب. لابد أن يشعر قلبه الصبر بقوة شهوته

ويشعر جسده احتمال التعب لبعد همته، فيعقبه ذلك إلحاح الملحين الآملين، ونشاط المدركين، فقل عنده كل كثير، وسهل عليه كل عسير. وقد روى عن النبي صلى الله

عليه وسلم أنه قال: «إنكم لا تنالون ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، ولا تبلغون ما تهوون إلا بترك ما تشتهون»

وقيل في منثور الحكم: أتعب قدمك فكم تعب قدمك. وقال بعض البلغاء: إذا اشتد الكلف هانت الكلف (1).

الخامس: الاكتفاء بمادة تغنيه عن كلفة الطلب. ولذلك قيل: لا يصح العلم لطالبه إلا بوجود أربعة: الكتب الصحاح، وسعة المؤنة، وذهن حاضر، وعالم نقاد بصير بفنون العلم. وقال بعض البلغاء: من بلغ أشده (?) لاقى من العيش أشده. ويقال: من ن أهتم ببصلة لم ينتفع بمسألة

قال بعض مشائخنار حمهم الله بعكس هذا فقال: إنما يتعلم العلم مثل أبي عبيدة البفطوري (?) الذي يبل الشعير ويصره في طرفه ثم يفطر عليه وعلى الخبيز وهو صائم. ولا يأكل العيش المطبوخ إلا في ليلة الجمعة الأخرى، والله أعلم.

(?) الكاب الأولى: بالفتح الولوع بالهي، والغرام به، والكاف الثانية جمع كلامة، وهى ما تكافته من نائبة، أو ما تحملته من مشقة

•

(?) بلغ أشده: أى أوته، وهو ما بين ثماني عشر إلى ثلاثين سنة.

(?) أبو عبيدة جلدين البخطورى، نسبة إلى بغطورة من قرى تقوسة، وتقع غربى جريجن ومى الآن خراب. من علماء أواخر القرن الرابع كان عالماً متفننا، أخذ العلم عن أبي عبد الله محمد ا بن جلدا من اللالونى، كان قليل الحظ من الدنيا، وله من العلم والعبادة الحظ الأوفر، ومن الصبر النصيب الأكمل، ومن القناعة السهم الأجزل، نال شهرة كبيرة وكان أعلم أهل زمانه، وأخذ عنه خلق كثير. جعله محمد بن زكرياء الباروني في الطبقة الثامنة، وتجد أخباره في سير الشماخي ص 328.