كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ١٨٧= 101 -
فالواجب على العالم أن يعمل بما يعلم، ولا يقول بما لا يفعل، ولا يأمر بما لا يأتمر، ولا يسر غير ما يظهر، وقد روى عن النبي عليه السلام أنه قال: «ويل لأتباع القول، وويل للمصرين». يريد بأتباع القول الذين يستمعون القول ولا يعملون به، ويروى أن الخضر عليه السلام قال لموسى عليه السلام: يا ابن عمران، تعلم العلم لتعمل به، ولا تتعلمه لتحدث به، فيكون عليك بوره، ولغيرك نوره. وقيل في منثور الحكم: لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به.
وقال بعض الحكماء: خير العلم ما نفع، وخير القول ما ردع: وعن على أنه قال:
إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم.
وقال
وكان يقال: خير من القول فاعله، وخير من الصواب قائله، وخير من العلم حاصله. بعض البلغاء: من تمام العلم استعماله، ومن تمام العمل استقلاله (?)، فمن استعمل علمه
لم يخل من رشاد، ومن استقل عمله لم يقتصر عن مراد، قال أبو تمام الطائي:
ولم يحمدوا من عالم غير عامل خلاقاً ولا من عامل غير عالم رأوا طرقات المجد عوجا قطيعة وأقطع عجز عندهم عجز حازم
واعلم أن أمر العالم غيره بما لا يعمل به مطرح (?) وإنكاره لما لا ينكره من نفسه مستقبح، بل ربما كان ذلك سبباً لإغراء المأمور بترك ما أمر به عناداً، وأرتكاب ما نهى عنه كيادا (3). وقد حكى أن أعرابياً سأل ابن أبي ذئب عن كلام وقع منه في زوجته فأفتاه بطلاقها. فقال الأعرابي: أنظر حسناً. قال: قد نظرت، وقد بانت (4) منك. فولى
الأعرابي وهو يقول:
(?) استقل الشيء: عده قليلا: استقله استقلالا
(?) اطرحه: رماه وأبعده
(?) كياداً: مكراً وخبثا.
(4) بانت: انقطعت وانفصلت
•
•