كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ١٩٣164 -
فأما المستدعى إلى العلم: فهو من استدعاه العالم إلى التعلم لما ظهر له من جودة ذكائه وقوة خاطره فإذا وافق استدعاء العالم شهوة المتعلم كانت نتيجتها درك المداء، وظفر النجباء، لأن العالم باستدعائه متوفر، والمتعلم بشهوته مستكثر.
وأما الطالب للعلم: لداع يدعوه وباعث يحدوه؛ فإن كان الداعى دينيا، وكان [المقبل] (1) على التعلم يقظاناً ذكياً وجب على العالم أن يكون عليه مقبلا وعلى تعليمه متوفراً، لا يخفى عنه مكنوناً ولا يطوى عليه مخزوناً. وقد روى عن النبي عليه السلام أنه قال لعلى بن أبي طالب: «لأن يهدى الله بك رجلا خير مما طلعت عليه الشمس» (2).
وإن كان بليداً بعيد الفطنة فينبغى ألا يمنع من اليسير فيحرم، ولا يحمل عليه الكثير فيظلم، ولا يجعل بلادته ذريعة إلى حرمانه فإن الشهوة، باعثة، والصبر مؤثر. وقد روى عن النبي عليه السلام إنه قال: «لا تمنعوا العلم أهله فتظلموا، ولا تضعوه في غير أهله
فتأتموا» (?) وقال بعض الحكماء: لا تمنعوا العلم أحداً فإن العلم أمنع لجانيه.
فإن لم يكن الداعى دينيا نظر فيه؛ فإن كان مباحاً كرجل دعاه إلى طلب العلم حب النباهة وطلب الرئاسة، فالقول فيه يقارب التعليم له إذا كان مطلوبه من العلم ما يرجى أن يعطفه في الحال الثاني، (4) وذلك مثل علم التفسير والحديث، وعلم الآخرة ومعرفة أخلاق النفس وكيفية تهذيبها، وما أشبه ذلك مما كان الأولون يشتغلون به. ولذلك حكى عن سفيان الثوري أنه قال: تعلمنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.
(?) زيادة يقتضيها السياق.
(?) رواه البخاري ومسلم.
(?) في أدب الدنيا والدين: 73.
(4) عبارة الماوردى: فالقول فيه يقارب القول الأول في تعليم من قبل؛ لأن العام يعطفه إلى
الدين فى ثانى الحال، وأن لم يكن مبتدئا به فى أول حال.